دول التحالف الخليجي تقف بالضد من حقوق العراق المائية وتتجاهل قرارات الأمم المتحدة

اليوم, 12:15
40

عادت قضية الحدود البحرية بين العراق والكويت إلى واجهة الأحداث، على خلفية إيداع بغداد قائمة إحداثيات وخريطة للمجالات البحرية لدى الأمم المتحدة. وقد أثار هذا الإجراء اعتراضًا كويتيًا، أعقبته بيانات تضامن عربية دعت في مجملها إلى احترام سيادة الكويت والاحتكام إلى القانون الدولي.

غير أن قراءة متأنية للخطوة العراقية، في ضوء قواعد القانون الدولي وأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، تكشف أن ما قامت به بغداد يندرج ضمن إطار ممارسة حق سيادي مشروع، لا يتعارض من حيث المبدأ مع الدعوة إلى الحوار أو مع احترام الالتزامات الدولية. ومن هنا، تبدو الحاجة ملحّة إلى تناول الموضوع بموضوعية قانونية بعيدًا عن التصعيد السياسي.


قناة سنترال على منصّة التلغرام.. آخر التحديثات والأخبار أولًا بأوّل

 

أولًا: الإجراء العراقي في إطاره القانوني

أكدت وزارة الخارجية العراقية أن إيداع خريطة المجالات البحرية جاء استنادًا إلى أحكام الأمم المتحدة ووفقًا لاتفاقية قانون البحار لعام 1982، التي تنظم حقوق الدول الساحلية في تحديد مناطقها البحرية.

ويُعد تحديد المجال البحري من صميم الاختصاص السيادي للدولة الساحلية، شريطة احترام قواعد القانون الدولي وعدم الإضرار بحقوق الدول الأخرى. وعليه، فإن قيام العراق بإيداع إحداثياته لا يُعد في ذاته إجراءً عدائيًا أو مخالفًا، بل خطوة قانونية تهدف إلى تثبيت موقفه الرسمي ضمن الأطر الدولية المعترف بها.

 

ثانيًا: خلفية تاريخية معقّدة للملف الحدودي

يبلغ طول الحدود البرية بين العراق والكويت نحو 216 كيلومترًا، وقد جرى ترسيمها عبر لجنة دولية بموجب قرار مجلس الأمن الدولي رقم 833 لعام 1993، في أعقاب حرب الخليج الثانية. ورغم أن القرار حسم مسألة الحدود البرية، فإن الترسيم البحري لم يُنجز بصورة نهائية وشاملة، ما أبقى الباب مفتوحًا أمام تباينات في التفسير.

كما نص القرار على تنظيم الملاحة في خور عبد الله، وهو ما صادقت عليه الحكومة العراقية عام 2013. غير أن المحكمة الاتحادية العليا في العراق قضت عام 2023 ببطلان قانون التصديق البرلماني على اتفاقية تنظيم الملاحة، استنادًا إلى اعتبارات دستورية تتعلق بآلية إقرار المعاهدات.

وبذلك، فإن التعقيد الحالي لا يرتبط فقط بالخرائط المودعة، بل بجذور قانونية ودستورية أعمق داخل العراق نفسه، الأمر الذي يجعل من الضروري معالجة المسألة ضمن مسار قانوني تفاوضي متكامل.

 

ثالثًا: المواقف العربية بين التضامن والدعوة للحوار

أعلنت عدة دول عربية، من بينها السعودية ومصر وقطر والإمارات وعُمان والبحرين والأردن واليمن، تضامنها مع الكويت، مؤكدة على احترام سيادتها ووحدة أراضيها، وداعية إلى الالتزام بالقانون الدولي ومبادئ حسن الجوار.

وفي الوقت ذاته، حملت معظم هذه البيانات دعوة صريحة إلى تغليب لغة الحوار والمعالجة الدبلوماسية، وهو ما ينسجم مع الموقف العراقي المعلن، الذي شدد على احترام أحكام القانون الدولي وعدم التدخل في الشؤون السيادية.

من هذا المنظور، يمكن فهم الأزمة الراهنة باعتبارها خلافًا قانونيًا قابلًا للمعالجة عبر التفاوض الثنائي، وليس نزاعًا سياسيًا مغلقًا.

 

رابعًا: السيادة العراقية وحق تثبيت الموقف القانوني

إن تمسك العراق بتحديد مجالاته البحرية لا يعني بالضرورة نفي حقوق الكويت أو المساس بها، بل يعكس سعيًا لتوضيح حدوده البحرية وفق رؤيته القانونية. ومن الثابت في القانون الدولي أن إيداع الإحداثيات لا يُنشئ حدودًا نهائية إذا كانت محل نزاع، وإنما يعبّر عن موقف الدولة إلى حين التوصل إلى اتفاق.

وعليه، فإن المخرج الأمثل يكمن في استئناف المباحثات الفنية والقانونية بين البلدين، بما يضمن تحقيق توازن عادل يحفظ الحقوق المشروعة للعراق، ويعزز في الوقت ذاته علاقات حسن الجوار مع الكويت.

 

تمثل أزمة الخرائط البحرية محطة جديدة في ملف طويل من التعقيدات التاريخية والقانونية بين العراق والكويت. غير أن التعامل الرشيد مع هذه القضية يقتضي التمييز بين ممارسة حق سيادي مشروع وبين التصعيد السياسي.

فالعراق، بإيداعه الإحداثيات لدى الأمم المتحدة، تحرك ضمن إطار قانوني دولي معترف به، وهو ما يفتح الباب أمام حوار مؤسسي هادئ يهدف إلى تسوية أي تباينات قائمة. وفي ظل الروابط التاريخية والجغرافية بين البلدين، يبقى الحوار القائم على القانون الدولي والاحترام المتبادل السبيل الأمثل لضمان استقرار المنطقة وصون الحقوق الوطنية.