شلل الرئاسات يُعرقل إقرار الموازنة.. شبح أزمة الرواتب يطارد الموظفين

اليوم, 10:30
849

مع استمرار تأخر تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، تتصاعد المخاوف بشأن انعكاسات هذا الجمود السياسي على المشهدين الاقتصادي والخدمي في البلاد، وسط تعثر واضح بين الحزبين الكرديين بشأن حسم منصب رئيس الجمهورية.

هذا التعثر لم يعد مجرد خلاف سياسي عابر، بل أصبح عقدة دستورية تؤثر بشكل مباشر في إقرار الموازنة العامة، الركيزة الأساسية لإدارة شؤون الدولة وتمويل مشاريعها والوفاء بالتزاماتها تجاه المواطنين والمستثمرين على حد سواء.


قناة سنترال على منصّة التلغرام.. آخر التحديثات والأخبار أولًا بأوّل


ويشير عدد من النواب إلى أن استمرار الخلافات وتأخر استكمال الاستحقاقات الدستورية، وعلى رأسها منصب رئيس الجمهورية، انعكس سلباً على عمل السلطتين التنفيذية والتشريعية، وأربك دورة إعداد الموازنة وإرسالها إلى مجلس النواب، ما يضع البلاد أمام تحديات مالية وإدارية متزايدة. 

عدم وجود موازنة نافذة في بداية السنة المالية يضع القيادات الحكومية أمام واقع صعب، إذ لا يمكن تنفيذ المشاريع الأساسية، أو الوفاء بالالتزامات المالية للموظفين، ولا حتى إطلاق برامج الدعم للمواطنين والشرائح الهشة.

 

أزمة حقيقية

النائب أحمد سالم الساعدي، عن تحالف قوى الدولة الوطنية، أوضح أن الأزمة الحالية تمثل خللاً حقيقياً في مسار الاستحقاقات الدستورية. 

وقال الساعدي إن تأخر تشكيل الحكومة وتسوية الرئاسات انعكسا بشكل مباشر على موضوع إقرار الموازنة، مؤكداً أن البلاد دخلت الأشهر الأولى من السنة من دون وجود موازنة نافذة، وهو ما وصفه بالمشكلة الكبيرة، لأن تشريع الموازنة يمثل استحقاقاً دستورياً لا يمكن تأجيله. 

وأضاف أن هناك الكثير من المشاريع الاستثمارية والخدمية والالتزامات المالية ذات البعد الوطني مرتبطة بإقرار الموازنة، وأن إعدادها وإرسالها إلى البرلمان لا يمكن أن يتم إلا من قبل حكومة كاملة الصلاحيات، قادرة على تحمل مسؤولياتها التنفيذية والسياسية.


 من جانبها، شددت النائب سهام الموسوي، على أن “الموازنة تأتي من الحكومة لتُعرض بعد ذلك على البرلمان”، موضحة أن “غياب حكومة مكتملة يعني بالضرورة تعطّل هذا المسار الدستوري، ما ينعكس بشكل مباشر على الواقع الخدمي للمواطنين، خصوصاً في ما يتعلق بإطلاق التخصيصات المالية للمشاريع والبنى التحتية ورواتب الموظفين والعقود اليومية”. 

وأكدت الموسوي أن “غياب الموازنة يقيّد حركة الوزارات والمؤسسات، ويحصرها في تغطية النفقات التشغيلية فقط، دون القدرة على الشروع بمشاريع جديدة أو توسعة الخدمات، ما يؤدي إلى تباطؤ تنفيذ الخطط الحكومية وتراجع معدلات الإنجاز بشكل ملحوظ”.

 

البيت الكردي

بدوره، عدّ النائب منصور البعيجي، أن العقبة الحالية أمام تشكيل الحكومة تتمثل في حالة الانسداد داخل «البيت الكردي»، نتيجة عدم التوصل إلى اتفاق بشأن مرشح رئاسة الجمهورية، مؤكداً أن «تأخر حسم هذا المنصب عطّل استكمال باقي الاستحقاقات الدستورية، وألقى بظلاله على مجمل العملية السياسية». 

وأوضح أن «هذا الخلاف لم يؤثر في تشكيل الحكومة فحسب، بل امتد ليشمل تأخر إقرار الموازنة لعام (2026)، فضلاً عن تعطيل عدد من القوانين المهمة التي تمس حياة المواطنين، إضافة إلى تأخر تشكيل اللجان النيابية، والتي تُعد العمود الفقري للعمل التشريعي والرقابي داخل مجلس النواب، لارتباطها بملف توزيع الحقائب الوزارية والتوازنات السياسية».

ويرى مراقبون سياسيون أن استمرار هذا المشهد يضع الدولة أمام تحديات مركبة، إذ إن الموازنة ليست مجرد أرقام وجداول، بل هي أداة التخطيط الاقتصادي والاجتماعي التي تُبنى عليها سياسات مكافحة البطالة، وتنشيط القطاعات الإنتاجية، ودعم الشرائح الهشة، وتمويل مشاريع الإعمار في المحافظات. 

كما أن تأخرها يربك العلاقة بين الحكومة الاتحادية والمحافظات، ويؤخر إطلاق التخصيصات المالية للمشاريع المتوقفة أو الجديدة، مما ينعكس بشكل مباشر على الواقع المعيشي والخدمي للمواطنين.

 

الترقب الكردي والحسابات الإقليمية

يظل الاستحقاق الرئاسي العراقي مشلولاً بالانتظار، وسط تمسك القوى السياسية بمواقفها وحسابات خارجية تلقي بثقلها على القرار الوطني، بينما تتصاعد الدعوات لتجاوز الجمود وإدارة المشهد وفق إرادة عراقية تحمي السيادة وتضمن استقرار الدولة.

ويرى عضو الحزب الديمقراطي الكردستاني، وفا محمد أن المشهد السياسي “مرشّح للتأجيل إلى ما بعد عطلة عيد الفطر المبارك”، في ظل استمرار حالة الترقب التي تسود القوى السياسية بانتظار حسم المباحثات الأميركية- الإيرانية. 

وأوضح محمد أن “غالبية القوى السياسية تفضل انتظار نتائج تلك المباحثات، لما لها من انعكاسات محتملة على طبيعة التفاهمات الداخلية ومسار الاستحقاقات الدستورية”.

وأشار إلى أن “الحزبين الكرديين ما زالا متمسكين بمرشحيهما”، مؤكداً أن “الحوارات مستمرة، إلا أن أي تغيير في المواقف مرهون بالتوصل إلى تفاهمات واضحة تحفظ التوازنات السياسية وتراعي مبدأ الشراكة الوطنية واحترام السياقات الدستورية”. 

وشدد على أن “المرحلة الحالية تتطلب تغليب لغة الحوار والتفاهم بما ينسجم مع المصلحة الوطنية العليا ويعزز الاستقرار السياسي في البلاد”.

 

مشهد سياسي

من جهته، بيّن عضو المكتب السياسي الناطق الرسمي للمجلس الأعلى الإسلامي العراقي، الدكتور علي الدفاعي، أنه «لا جديد في المشهد السياسي الراهن»، مشدداً على «ثبات مواقف المجلس الأعلى والإطار التنسيقي، وأن المرحلة الحالية تتطلب مزيداً من التهدئة والحوار المسؤول بين القوى السياسية لتعزيز الثقة وترسيخ مبدأ الشراكة الوطنية وفق السياقات القانونية المعتمدة».

وأوضح الباحث في الشأن السياسي الدكتور، طالب محمد كريم، أن “غياب التوافق داخل البيت الكردي وداخل قوى الإطار التنسيقي يعمّق أزمة الاستحقاق الرئاسي ويؤخر مسار تكليف رئيس الوزراء”. 

وأكد كريم أن “الطرف الكردي يترقب حسم الموقف داخل الإطار أولاً، انطلاقاً من أن هوية مرشح رئاسة الجمهورية ستؤثر بشكل مباشر في هوية الكتلة النيابية الأكثر عدداً وفي شكل الحكومة المقبلة وبرنامجها السياسي”. 

وأضاف أن “المشهد لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي والدولي، إذ إن جزءاً من الطبقة السياسية العراقية يترقب مسار التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، باعتبار أن مآلاته ستنعكس بصورة مباشرة على توازنات الداخل العراقي”. 

وحذّر من أن “استمرار حالة الانتظار المتبادل داخلياً وخارجياً قد يجعل العملية السياسية رهينة حسابات خارجية بدلاً من أن تُدار وفق إرادة وطنية مستقلة تراعي مصلحة الدولة وتحترم سيادتها”.

 

وفي إطار متصل، رأى المحلل السياسي حازم الباوي، أن “مجلس النواب يمثل الساحة الدستورية الوحيدة لحسم مرشح رئاسة الجمهورية في ظل استمرار الخلاف بين الحزبين الكرديين”. 

وأوضح أن “تمرير مرشح رئاسة الوزراء مرتبط بتسمية الجانب الكردي لمرشحه لرئاسة الجمهورية”.

وأشار إلى أن “المشهد تحكمه حسابات دقيقة داخل الإطار التنسيقي ومعادلات داخلية وخارجية، ما يجعل الحوار الداخلي ضرورة قصوى لتجاوز الجمود السياسي وإعادة انتظام المسار الدستوري”. 

وتوقع الباوي أن “تستمر الحوارات والمفاوضات داخل قوى الإطار التنسيقي سعياً للخروج بمرشح يحظى بإجماع الأطراف بعيداً عن خيار مرشح التسوية، تجنباً لتكرار تجارب سابقة لم تحقق الاستقرار السياسي المنشود.»

ويخلص الخبراء والمراقبون إلى أن استمرار الجمود السياسي بشأن منصب رئاسة الجمهورية وتداعياته على تشكيل الحكومة وإقرار الموازنة يعكس هشاشة العملية السياسية العراقية أمام الضغوط الداخلية والخارجية، ويضع البلاد أمام تحديات مزدوجة، أولها إدارة الملفات الاقتصادية والخدمية العاجلة، وثانيها الحفاظ على الاستقرار السياسي والمضي قدماً في المسار الدستوري وفق إرادة وطنية مستقلة.