بين أوهام الشاه وفتن الغرب.. كيف تُدار احتجاجات إيران لخدمة المشروع الأميركي–الصهيوني
المرور العامة تعلن قرب إطلاق خدمات تحويل الملكية وتجديد الإجازات الكترونياً
الشيخ نعيم قاسم: اذا لم تسلم المقاومة وبيئتها فلن تسلم الأمور في لبنان
دوري نجوم العراق يتراجع مركزين في التصنيف الدولي
النفط تعلن إطلاق 4 مشاريع بحقل البازرگان النفطي في ميسان
ما يجري في إيران لا يمكن فصله عن السياق التاريخي للصراع بين الجمهورية الإسلامية من جهة، وبين الإمبريالية الأميركية والكيان الصهيوني وفلول نظام الشاه من جهة أخرى، فمنذ انتصار ثورة الإمام الخميني عام 1979، تحوّلت إيران من دولة تابعة لواشنطن وتل أبيب، يحكمها شاه مفروض بالقوة، إلى دولة مستقلة القرار، رافضة للهيمنة، وداعمة لقضايا الأمة وعلى رأسها فلسطين.
التقرير التالي والذي نشر في وكالة "تفي اي" الروسية يكشف – من حيث لا يريد – حجم الرهان الأميركي–الإسرائيلي على استثمار المعاناة الاقتصادية وتحويل الاحتجاجات الاجتماعية المشروعة إلى مشروع سياسي معادٍ للاستقلال الإيراني. ومن هنا تأتي أهمية قراءته قراءة نقدية، لا بوصفه توصيفًا بريئًا، بل كجزء من معركة الوعي الدائرة حول إيران ودورها الإقليمي والدولي.
ما تزال إيران تشهد احتجاجات غير مسبوقة؛ إطلاق نار في الشوارع، وانقطاع الإنترنت مستمر حتى الآن. حول أسباب اعتبار التهديد للنظام هذه المرة أكثر جدية، وما الذي قد يعنيه ذلك لروسيا، تتحدث قناة RTVI مع يوليا روكنيفارد، الباحثة المتخصصة في شؤون الشرق الأوسط، وأستاذة مشاركة في جامعة تايلورز (ماليزيا).
لماذا تُعد هذه الاحتجاجات مختلفة؟
تعمل الدعاية من جميع الاتجاهات، بما في ذلك تلك التي تسعى إلى خلق انطباع بأن نظام آيات الله على وشك السقوط. هذا الخطاب تكرر في السابق، لكنه اليوم أشد كثافة، مع الترويج لفكرة أن “كل إيران تحتج” وأن “الإيرانيين يريدون عودة ولي عهد آخر سلالة شاهنشاهية، رضا بهلوي، لقيادة الحركة”.
قد تكون هذه أكبر الاحتجاجات منذ عامي 1978–1979. ففي عام 1979 اندلعت الثورة، أما في 1978 فقد تصاعدت الاحتجاجات تدريجيًا، لكن لم نصل بعد إلى ملايين المتظاهرين الذين خرجوا عشية الثورة.
الحصول على معلومات دقيقة عمّا يحدث صعب للغاية: فمنذ الخميس الماضي، قُطع الإنترنت عن البلاد. لا تصلني أخبار من معارفي داخل إيران، والمعلومات المتوفرة مجتزأة. حتى الاتصالات الهاتفية العادية تعمل بصعوبة، فضلًا عن شبكات الهاتف المحمول. لذلك يبقى حجم ما يجري، وكذلك حجم القمع، غير واضح. فبحسب بعض المصادر قُتل 65 شخصًا، وبحسب أخرى أكثر من مئتين، وهناك من يتحدث عن آلاف الضحايا. كما يُقال إن عددًا من المحتجين حُكم عليهم أو سيُحكم عليهم بالإعدام.
يمكن تأريخ الموجة الحالية من الاحتجاجات منذ عام 2009، مع ما عُرف بـ“الثورة الخضراء”، حين خرج الناس احتجاجًا على الولاية الثانية لمحمود أحمدي نجاد، معتبرين فوزه غير شرعي. ثم جاءت احتجاجات 2019، وحركة مناهضة الحجاب، التي بلغت ذروتها بوفاة مهسا أميني عام 2022 بعد توقيفها من شرطة الأخلاق. بعد ذلك خفّت الاحتجاجات، أو استمرت بشكل متقطع، مع إضرابات لسائقي الشاحنات وقطاع النقل.
اليوم توسّعت القاعدة الاجتماعية للاحتجاجات، إذ انضم إليها التجار وأصحاب المحال، المعروفون بـ“البازاريين”. ويرى البعض في ذلك تشابهًا مع ثورة 1979، حين دعم البازاريون الثورة ضد الشاه، لكنهم آنذاك دعموا أيضًا طابعها الإسلامي، الذي أفضى إلى قيام الجمهورية الإسلامية.
الاقتصاد كشرارة أساسية
المحرّك الأساسي للاحتجاجات الحالية هو الوضع الاقتصادي المتردي: التضخم، الفساد، لكن التضخم بالدرجة الأولى. الناس باتوا عاجزين عن تلبية احتياجاتهم الأساسية، والطبقة الوسطى تقلّصت بشدة. عندما يعمل الإنسان في وظيفتين أو ثلاث ولا يستطيع إطعام أسرته، فما السبيل المتبقي للاحتجاج؟ الانتخابات لم تعد تُعد مخرجًا، فبقي الشارع الوسيلة الوحيدة. ومع مرور الوقت، ازداد راديكالية الشعارات.
ولا يتعلق الأمر بالعقوبات وحدها، رغم قسوتها وعودة عقوبات الأمم المتحدة بعد انهيار الاتفاق النووي. فالعقوبات تكشف فقط مشاكل أعمق: الفساد، وسوء الإدارة، وتهميش الكفاءات في بلد غني بالموارد البشرية والطبيعية. ولو رُفعت العقوبات مع بقاء القيادة نفسها، فستعود الاحتجاجات من جديد.
من أين جاء أنصار الملكية؟
من المفارقات أن أبناء من أسقطوا الشاه عام 1979 يخرجون اليوم مطالبين بعودة آل بهلوي. يشبه ذلك نوعًا من الحنين السوفيتي في روسيا: الاعتقاد بأن الماضي كان أفضل، مع نسيان الأسباب التي أدت إلى سقوط ذلك النظام.
أكثر من 60% من الإيرانيين وُلدوا بعد الثورة ولم يعيشوا زمن الشاه. هم يتحدثون عن “إيران العلمانية” و”الكرامة الوطنية”. الإيرانيون قوميون بطبعهم، ويتذكرون أن جواز السفر الإيراني كان قويًا، وأن البلاد كانت محترمة ومستثمِرة كبرى.
اليوم يبحث بعض المحتجين عن أمل، أي أمل، حتى لو كان خارج الجمهورية الإسلامية. ويرون في رضا بهلوي، القريب من الولايات المتحدة، فرصة لدعم خارجي محتمل، خاصة أن الأجهزة الأمنية تعلن ولاءها المطلق للنظام.
لكن هذه الرومانسية تتجاهل أن رضا بهلوي غادر إيران وهو دون العشرين، وأن عائلته أخرجت معها أموالًا طائلة تعود للشعب. طوال أكثر من أربعين عامًا، لم يُعرف له عمل أو خبرة في الحكم أو الاقتصاد أو الدبلوماسية. ويُعتقد أنه عاش على ثروة قُدّرت بنحو مليار دولار خرجت من إيران. ومع ذلك، لا يتحدث عن استثمارها في إصلاح البلاد.
الولايات المتحدة و”إسرائيل” والاحتجاجات
تتهم السلطات الإيرانية الولايات المتحدة و”إسرائيل” بالوقوف خلف الاحتجاجات. قد يبدو ذلك ذريعة مألوفة، لكن مسؤولين "إسرائيليين" أعلنوا صراحة دعمهم للمحتجين، ما يمنح الحكومة الإيرانية مبررًا لوصف بعضهم بـ“الإرهابيين”، خصوصًا من تورطوا في حرق المساجد أو مهاجمة مراكز الشرطة.
في الولايات المتحدة، هناك تيار نافذ في السياسة الخارجية يؤمن بضرورة تغيير النظام في إيران لإقامة سلطة موالية لواشنطن وتل أبيب. هذا التوجه لا يُخفى.
ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن السخط الشعبي حقيقي وعميق. الناس دُفعوا تدريجيًا إلى طريق مسدود. الاحتجاجات ليست صناعة خارجية خالصة، بل تعبير عن غضب داخلي متراكم.
كيف يمكن أن تنتهي الأمور؟
ربما تم تجاوز “نقطة اللاعودة”، لا بمعنى سقوط النظام الوشيك، بل بمعنى أن النظام الحالي غير قادر أو غير راغب في الإصلاح الذاتي. دون تغيير جذري، ستستمر الاحتجاجات، لأن الأزمة الاقتصادية بنيوية.
القيادة ستتمسك بالسلطة حتى النهاية، بدافع سياسي وديني وقومي. وقد يبرز سيناريو حكم عسكري بقيادة الحرس الثوري، على غرار باكستان، وهو سيناريو لا يبشر بإصلاح حقيقي.
أما على صعيد العلاقات مع روسيا، فإذا وصل رضا بهلوي إلى الحكم، فسيكون النظام مواليًا لأميركا و”إسرائيل” ومعاديًا لروسيا. أما في حال قيام نظام تكنوقراطي مستقل، فسينشغل بالشأن الداخلي، دون عداء أو تحالف عميق في المرحلة الأولى.
في الوقت الراهن، لا مؤشرات على انضمام قطاع النفط إلى الاحتجاجات، وهو عامل حاسم. وإذا لم يحدث تدخل خارجي، قد تنجح السلطات في قمع الاحتجاجات مؤقتًا، لكنها ستعود ما دامت جذور الأزمة قائمة. بهذا المعنى، تم تجاوز "الروبيكون": سخط الناس لن يختفي.