العراق على أعتاب الدولة الرقمية.. ما الذي تحقق وما الذي تأخر؟

اليوم, 10:15
21

لم يعد التحول الرقمي في العراق مجرد خيار تقني أو مشروع إداري عابر، بل أصبح مسارًا حتميًا لإعادة تشكيل العلاقة بين الدولة والمواطن. فمع الانتقال التدريجي من المعاملات الورقية المعقدة إلى المنصات الإلكترونية، بدأت ملامح دولة رقمية تتشكل، تحمل معها وعودًا بتسريع الخدمات، تقليل البيروقراطية، وتعزيز الشفافية. وبين أرقام رسمية تشير إلى تقدم ملحوظ، وتجارب مواطنين تعكس أثرًا يوميًا ملموسًا، يبرز سؤال جوهري: كيف بدأ هذا التحول، وأين يتجه في ظل التحديات القانونية والتقنية القائمة؟

يشهد العراق خلال السنوات الأخيرة تقدمًا ملحوظًا في مسار التحول الرقمي، في محاولة لإعادة بناء آليات العمل الحكومي وتحسين تجربة المواطنين مع المؤسسات الرسمية. هذا التحول لم يعد محصورًا في تحديث تقني محدود، بل امتد ليشكل تغييرًا اجتماعيًا وسلوكيًا في طريقة تفاعل المجتمع مع الدولة.


قناة سنترال على منصّة التلغرام.. آخر التحديثات والأخبار أولًا بأوّل


ووفقًا لإحصاءات رسمية صادرة عن وزارة الاتصالات العراقية، بلغت نسبة مستخدمي الإنترنت 82.9 بالمئة من السكان بنهاية عام 2024، مقارنة بـ44.3 بالمئة عام 2019، بحسب بيانات الاتحاد الدولي للاتصالات. هذا النمو يعكس توسع البنية التحتية الرقمية وزيادة الاعتماد على الإنترنت كوسيلة أساسية للحصول على الخدمات الحكومية.

وأشارت الوزارة إلى أن 859 جهة حكومية اعتمدت أنظمة التحول الرقمي ضمن منظومة الإدارة الإلكترونية، حيث جرى تبادل نحو 4 ملايين وثيقة رقمية منذ انطلاق البرنامج، ما أسهم في تسريع الإجراءات وتقليل الاعتماد على الورق. كما وصلت البطاقة الرقمية الموحدة إلى أكثر من 90 بالمئة من المواطنين، لتصبح أداة أساسية في إنجاز المعاملات الإلكترونية، وخطوة مهمة نحو بيئة رقمية أكثر أمانًا وتكاملًا.

هذا التحول، بحسب مختصين، لم يكن تقنيًا فقط، بل حمل أبعادًا اجتماعية واضحة. الدكتور خالد العرداوي يرى أن الرقمنة أعادت تشكيل تجربة المواطن اليومية مع الدولة، من خلال تقليل الاحتكاك مع الروتين الإداري وتعزيز الشفافية. ويؤكد أن الخدمات الرقمية، مثل الغرامات المرورية وإصدار الوثائق الرسمية، لم تعد مجرد إجراءات، بل وسيلة لبناء الثقة وإشراك المواطن في التواصل مع المؤسسات عبر المنصات الإلكترونية.

من جانبه، يوضح الدكتور صفد الشمري، رئيس مؤسسة بغداد للتواصل والإعلام الرقمي، أن التجربة العراقية اتسمت بالتدرج وعدم فرض الرقمنة قسرًا، ما ساعد على كسر الحاجز النفسي لدى المواطن. ويرى أن هذا التدرج أسهم في تغيير السلوك المجتمعي تدريجيًا، حيث باتت التكنولوجيا تُنظر إليها كأداة مساعدة لا كبديل إجباري.

لكن، ورغم هذا التقدم، لا تزال التحديات قائمة. يشير الشمري إلى أن إخفاق بعض المنصات يعود إلى ضعف التصميم وعدم مراعاة الفروقات العمرية والمهارية للمستخدمين، إضافة إلى غياب تجربة استخدام واضحة. كما أن الخطاب الإعلامي المصاحب للتحول الرقمي غالبًا ما يركز على الإنجاز الحكومي دون شرح الفائدة المباشرة للمواطن.

ويبرز التحدي القانوني والأمني بوصفه الأكثر حساسية، إذ يؤكد مختصون أن غياب تشريعات حديثة لحماية البيانات وضعف منظومة الأمن السيبراني يؤثران في مستوى الثقة بالمنصات الرقمية، مهما بلغت درجة تطورها.

على مستوى المواطن، تعكس التجارب اليومية أثر الرقمنة بشكل ملموس. تقول السيدة صفا نعمة إن التحول الإلكتروني وفّر عليها وقتًا وجهدًا كبيرين، خاصة في معاملات كانت سابقًا معقدة، مثل إجراءات المحاكم. وتؤكد أن وضوح المعلومات وسرعة الاستجابة عززا شعورها بالشفافية والثقة بالمؤسسات.

في المحصلة، يقف العراق اليوم عند مفترق طرق رقمي، حيث يتطلب استدامة هذا التحول الموازنة بين تطوير البنية التقنية، وبناء إطار قانوني وأمني فاعل، إلى جانب تعزيز وعي المواطن، لضمان انتقال حقيقي نحو دولة رقمية أكثر كفاءة وعدالة.