من إعلان السيطرة إلى طلب النجدة.. مضيق هرمز يفضح أكاذيب ترامب

اليوم, 13:29
63

لم تمضِ أيام كثيرة على تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي تحدث فيها بثقة عن قدرة بلاده على تأمين مضيق هرمز، حتى بدأت ملامح التراجع تظهر في الخطاب الأمريكي، مع انتقال واشنطن من الحديث عن السيطرة الكاملة إلى مطالبة حلفائها بالمشاركة في حماية الممر البحري الأكثر حساسية في العالم.

في بداية الأزمة، حرص ترامب على إظهار صورة الحسم العسكري، مؤكداً أن الولايات المتحدة قادرة على ضمان تدفق النفط عبر المضيق، بل وأشار إلى إمكانية مرافقة البحرية الأمريكية لناقلات النفط لضمان أمن الملاحة في الممر الذي يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط العالمية.


قناة سنترال على منصّة التلغرام.. آخر التحديثات والأخبار أولًا بأوّل

لكن التطورات الميدانية والتوترات المتصاعدة في الخليج أظهرت أن مهمة تأمين المضيق ليست بالبساطة التي صُوِّرت في التصريحات الأولى. 

فمع استمرار المخاطر الأمنية وارتفاع التهديدات للسفن، بدأت الإدارة الأمريكية تتحدث بلهجة مختلفة، تقوم على فكرة تقاسم العبء الأمني مع الحلفاء.

وفي هذا السياق، قال ترامب إن الولايات المتحدة لن تتحمل وحدها مسؤولية حماية المضيق، مطالباً الدول التي تعتمد على نفط الخليج بإرسال سفن حربية للمشاركة في تأمين الملاحة.

وأوضح في تصريحات صحفية أن على تلك الدول “أن تأتي وتحمي مصالحها بنفسها”، في إشارة واضحة إلى أن واشنطن تريد تشكيل قوة بحرية متعددة الجنسيات في المنطقة.

لكن الدعوة الأمريكية لم تلقَ الاستجابة التي كانت تتوقعها واشنطن.

فاليابان، التي تعتمد بشكل كبير على واردات النفط من الخليج، أعلنت على لسان رئيسة وزرائها أن طوكيو لا تخطط حالياً لإرسال قوات بحرية إلى المضيق، مشيرة إلى القيود الدستورية والسياسية التي تحكم انتشار القوات اليابانية خارج البلاد.

كما أبدت أستراليا موقفاً مشابهاً، إذ أوضحت الحكومة الأسترالية أنها لا تعتزم في الوقت الراهن نشر سفن حربية في المضيق، مفضلة متابعة التطورات قبل اتخاذ أي قرار عسكري.

وفي أوروبا أيضاً، رفضت بريطانيا الانخراط في أي عمل عسكري مباشر أو إرسال قواتها إلى المضيق، كما تشير مواقف عدة عواصم أوروبية إلى قدر من التحفظ تجاه الانخراط العسكري المباشر في الخليج، في ظل المخاوف من أن يؤدي أي انتشار عسكري إضافي إلى توسيع دائرة الصراع في المنطقة.

وفي خضم هذه التطورات، برزت حقيقة جيوسياسية يصعب تجاهلها:

فالمضيق الذي يعد شريان الطاقة العالمي يقع في نطاق جغرافي تتحكم به إيران إلى حد كبير، سواء من خلال موقعها الجغرافي أو قدراتها العسكرية المنتشرة على طول سواحل الخليج.

وخلال الأزمة الأخيرة، أظهرت إيران قدرة واضحة على فرض معادلة ردع في المنطقة، حيث بقيت الملاحة في المضيق تحت تأثير التوازنات الميدانية التي تفرضها طهران، وهو ما جعل أي محاولة لفرض سيطرة عسكرية مطلقة عليه أمراً شديد التعقيد.

وبهذا المعنى، يرى مراقبون أن تصريحات ترامب الأولى بشأن تأمين المضيق كشفت عن مبالغة سياسية أكثر منها واقعاً ميدانياً، خصوصاً مع فشل الولايات المتحدة في فرض ترتيبات أمنية منفردة لضمان مرور السفن دون الحاجة إلى دعم دولي واسع.

كما أن صمود إيران في مواجهة الضغوط العسكرية والسياسية، وتمسكها بمواقفها في الأزمة، شكّل عاملاً أساسياً في إعادة تشكيل موازين الخطاب السياسي في واشنطن، التي انتقلت سريعاً من لغة الحسم إلى لغة التحالفات والبحث عن شركاء.

هذا التردد الدولي يضع الإدارة الأمريكية أمام معادلة معقدة؛ فالمضيق يمثل شرياناً حيوياً للطاقة العالمية، وأي اضطراب طويل الأمد فيه قد ينعكس مباشرة على أسعار النفط والاقتصاد العالمي.

وفي المقابل، فإن تشكيل تحالف عسكري واسع لحمايته ليس مهمة سهلة في ظل الانقسامات الدولية والمخاوف من التصعيد.

ولعل ما يكشفه الجدل الحالي حول مضيق هرمز هو أن القوة العسكرية وحدها لا تكفي لفرض الاستقرار في منطقة شديدة الحساسية مثل الخليج، خصوصاً عندما تكون الأزمة مرتبطة بصراع إقليمي واسع تتداخل فيه الحسابات السياسية والاقتصادية والعسكرية.

وبينما تحاول واشنطن حشد دعم دولي لحماية الملاحة، يبقى السؤال مفتوحاً:

هل تستطيع الولايات المتحدة فعلاً فرض معادلة أمنية جديدة في المضيق، أم أن أزمة هرمز ستتحول إلى اختبار جديد لحدود النفوذ الأمريكي في المنطقة؟