إيداع الخرائط البحرية العراقية لدى الأمم المتحدة.. تحرك سيادي لحماية الحقوق واستثمار الثروات

اليوم, 10:30
730

شكل إيداع الخرائط البحرية العراقية لدى الأمم المتحدة نقطة انطلاق لمرحلة جديدة عنوانها التحرك القانوني والدبلوماسي لتكريس الحقوق السيادية وتنظيم استثمار الثروات البحرية وفق المرجعيات الدولية.

وتشير الأوساط السياسية إلى أن ما بعد الإيداع يستوجب إجراءات حكومية متكاملة لتثبيت الإحداثيات المعترف بها ومخاطبة الدول المعنية وضمان حماية المصالح الوطنية في المياه الإقليمية بعيداً عن أي لبس أو تداخل.


قناة سنترال على منصّة التلغرام.. آخر التحديثات والأخبار أولًا بأوّل


في غضون ذلك، يتابع البرلمان ملف اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله الذي قضت المحكمة الاتحادية العليا بعدم دستورية قانون المصادقة عليه، وتتصاعد الدعوات لاستكمال الإجراءات القانونية المتعلقة بهذا القرار.

 

رأي الخبراء

الخبير في ملف المياه والحدود، اللواء الدكتور جمال الحلبوسي، أن "إيداع الخارطة العراقية الجديدة لدى الأمم المتحدة ونشرها بشكل رسمي، يمنحها الصفة القانونية الكاملة"، مشيراً إلى أن "تعميمها في أطلس المحيطات الدولي سيجعلها وثيقة معترفاً بها على مستوى العالم".

وأوضح الحلبوسي، أن "نشر الخرائط رسمياً يعني تثبيت الإحداثيات المعتمدة وفق الأطر القانونية الدولية، ما يترتب عليه التزام الدول التي رسمت حدوداً بحرية متداخلة مع العراق بإعادة النظر في تلك الإحداثيات والانسحاب إلى ما يتطابق مع الوثائق المودعة دولياً".

وأشار، إلى أن "إيداع الخارطة الجديدة لدى الأمم المتحدة يمنح العراق سنداً قانونياً رسمياً يمكن البناء عليه في مخاطبة الدول المعنية وفي مقدمتها الكويت والسعودية"، مؤكداً أن "الخطوة تهدف إلى تصحيح المسارات وفق القانون الدولي واحترام مبدأ السيادة الوطنية".

وأضاف، أن "المرحلة المقبلة تتطلب تحركاً حكومياً متكاملاً يبدأ بإبلاغ وزارة الخارجية للدول المعترضة بضرورة الالتزام بالقوانين والأنظمة الدولية، فضلاً عن دعوة وزارة النفط إلى استثمار المساحات البحرية المثبتة ضمن الخارطة الجديدة لأغراض استكشاف النفط والثروات الطبيعية".

ولفت الحلبوسي، إلى "أهمية إشعار الشركات العاملة في تلك المناطق بأن الإحداثيات المصادق عليها أممياً تخص العراق، وأن أي نشاط خارج هذا الإطار سيعرض الشركات للمساءلة القانونية ما سيدفعها إلى الالتزام بالتعامل مع الحكومة العراقية حصراً ضمن المناطق السيادية المعترف بها".

وشدّد الحلبوسي، على "ضرورة تفعيل دور الجهات المعنية بالموانئ والملاحة البحرية لضمان استيفاء الرسوم والعوائد المالية عن أي نشاط ضمن المياه العراقية، بما يعزز الموارد الوطنية ويكرس الحقوق السيادية للعراق استناداً إلى المرجعيات القانونية الدولية".

وأكد، أن "اعتماد الخارطة رسمياً، يمثل خطوة استراتيجية لحماية الحقوق البحرية العراقية وترسيخ مبدأ احترام الحدود والسيادة وفق الأطر القانونية المعترف بها دولياً".

 

مرحلة مفصلية

من جانبه، أكد النائب أحمد شهيد، أن "العراق دخل مرحلة مفصلية بعد تنفيذ القرارات الدولية المتعلقة بترسيم حدوده البحرية والبرية، لا سيما القرار الأممي 833    الذي أسهم في تثبيت الحدود بشكل واضح ومعترف به دولياً".

وقال شهيد إن " استعادة الحقوق البحرية وترسيخها قانونياً، يعزز مكانة العراق الاقتصادية خصوصاً مع المضي في تطوير ميناء الفاو الكبير واستكمال مشروع طريق التنمية، مما يمهد لتحوله إلى مركز اقتصادي محوري في المنطقة".

وأشار، إلى أن "حسم ملف الحدود البحرية بما يشمل حقل الدرة والجزر الاصطناعية، يضع العراق أمام استحقاقات استراتيجية تتطلب تسريع مشاريع البنى التحتية وتعظيم الاستفادة من موقعه الجغرافي". وأضاف أن "تثبيت الحدود يجعل من ميناء الفاو ركيزة اقتصادية تسهم في تنويع مصادر الدخل وتقليل الاعتماد على النفط".

وأوضح شهيد، أن "قرار الإيداع والنشر لدى الأمم المتحدة يعد إجراءً سيادياً ولا يحق لأي طرف إلغاؤه، بل يمكن فقط الاعتراض أو التحفظ وفق الأطر الدبلوماسية والقانونية المعتمدة"، واعتبر أن "احترام الاتفاقات الدولية يشكل أساساً لاستقرار العلاقات بين الدول".

وأكد النائب، أن "إيداع الخرائط الرسمية لدى الأمم المتحدة التي تثبت الحقوق البحرية للعراق في خور عبد الله يمثل خطوة قانونية مهمة تعزز الموقف السيادي وتضع حداً لأي التباس بشأن الحدود البحرية"، مشيراً إلى أن "تثبيت هذه الحدود يتيح للعراق ممارسة كامل حقوقه المشروعة في الاستكشاف والتنقيب وحقوق الصيد والملاحة".

وأشار شهيد، إلى أن "هذه الخطوة تفتح المجال أمام العراق لمراجعة أي استحقاقات سابقة في المناطق غير المثبتة حدودها البحرية بما يضمن إنصاف البلاد وثرواتها وفق القانون الدولي"، مؤكداً أن "العراق سيستخدم كامل حقوقه القانونية والدبلوماسية لحماية مياهه وحدوده البحرية لصالح السيادة الوطنية والأجيال القادمة".

 

خطوة سيادية

من جهته، بين النائب علي صابر، أن "تحركات العراق نحو تفعيل الخرائط والحدود البحرية تمثل خطوة سيادية ودبلوماسية بالغة الأهمية، تعكس حرص الدولة على تثبيت حقوقها المشروعة وفق الأطر القانونية الدولية، وبما ينسجم مع قواعد القانون الدولي للبحار والاتفاقيات الثنائية ومتعددة الأطراف ذات الصلة".

وأوضح، أن "إعادة تنظيم وتحديث الخرائط البحرية لا تقتصر على الجانب الإداري أو الفني؛ بل تشكل إجراءً استراتيجياً يهدف إلى الدفاع عن  الحقوق الوطنية في المياه الإقليمية والاقتصادية ووضوح الرؤية في ما يتعلق بالممرات البحرية وحركة الملاحة، بما يعزز الاستقرار ويحد من أي تأثيرات في المصالح الوطنية أو الإقليمية".

وأضاف، أن "هذه الخطوة من شأنها أن تتيح للدولة استيفاء حقوقها المالية من السفن العابرة وفق الضوابط القانونية المعتمدة، الأمر الذي يسهم في دعم موارد الخزينة العامة وتنويع الإيرادات بعيداً عن الاعتماد الأحادي على مصادر محددة فضلاً عن تعزيز مكانة العراق البحرية في محيطه الإقليمي".

وأكد صابر، أن "تثبيت الحدود البحرية بصورة دقيقة يمنح الجهات المختصة وفي مقدمتها وزارة النفط الأساس القانوني الواضح للمضي في عمليات الاستكشاف والتنقيب عن الثروات الطبيعية ضمن المناطق البحرية الواقعة تحت السيادة العراقية، بما يضمن حماية الحقوق النفطية وعدم التفريط بها مع مراعاة مبادئ حسن الجوار واحترام سيادة الدول الأخرى".

وشدد، على أن "إدارة هذا الملف بروح دبلوماسية متوازنة قائمة على الحوار والتفاهم، من شأنها أن تعزز الثقة المتبادلة مع الدول المجاورة وترسخ مبدأ احترام السيادة الوطنية، وتؤكد التزام العراق بالحلول القانونية السلمية في معالجة أي ملفات عالقة تتصل بالحدود أو الموارد المشتركة".

 

اتفاقية الخور

في غضون ذلك، يتابع البرلمان ملف اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله، وتتصاعد الدعوات لاستكمال الإجراءات القانونية المتعلقة بقرار المحكمة الاتحادية العليا القاضي بعدم دستورية قانون التصديق عليها، ولاسيما عقب إيداع الخرائط لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة، بوصفه إجراءً ذا أثر دولي في تثبيت الموقف العراقي.

ويؤكد مختصون في القانون الدولي، أن تحديد المديات البحرية وإيداع الخرائط يمثلان إعلاناً سيادياً يستند إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار.

النائب عن كتلة "حقوق" سعود الساعدي جدّد مطالبته بإيداع قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم ( 105  لسنة 2023 الصادر في 4 أيلول 2023) والخاص بعدم دستورية قانون تصديق اتفاقية تنظيم الملاحة في خور عبد الله مع الكويت، لدى الأمم المتحدة.

وبيّن الساعدي، أن مطالبته "تستند إلى الدورين الرقابي والتمثيلي لمجلس النواب وفق أحكام المادتين (49 /أولاً ) و(61)  من الدستور، إضافة إلى المادة (50) من النظام الداخلي لمجلس النواب"، موجهاً سؤالاً نيابياً إلى الجهات المعنية بشأن "أسباب عدم إيداع قرار المحكمة الاتحادية العليا رقم  105   لسنة 2023 لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة"، متسائلاً عن "الإجراءات المتخذة بهذا الشأن والجهة المسؤولة عن متابعة التنفيذ"، داعياً إلى "حسم الموضوع ضمن الأطر القانونية المحددة ومدة زمنية خلال 15 يوماً، وفق القانون". 

 

قرار المحكمة

من جانبه، أوضح النائب حيدر محمد كاظم، أنه "سبق أن طالب، قبل سنتين، بإيداع نسخة من قرار المحكمة الاتحادية العليا الخاص بإلغاء اتفاقية خور عبد الله لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة، لعدم دستورية قانون التصديق عليها"، مؤكداً أنه "أعاد التأكيد على الطلب قبل أكثر من شهر".

بدوره، قال النائب زهير شهيد عبد الله إن "قرار المحكمة الاتحادية العليا والحراك الشعبي ومواقف عدد من نواب الكتل، أسهمت في دفع ملف الحدود البحرية إلى الواجهة".

 

رؤية قانونية

وفي ما يتعلق بالجانب القانوني، أوضح الخبير في القانون الدولي وائل منذر، أن "تحديد المديات البحرية بصورة منفردة يُعد مسألة تدخل ضمن نطاق سيادة كل دولة، إذ يحق لها تحديد حدود أراضيها وما يتعلق بمياهها الإقليمية ومدياتها البحرية الخاصة بها، استناداً إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. 

كما أن عملية إيداع الخرائط لدى الأمم المتحدة تُعد إعلاناً رسمياً من الدولة بشأن حدودها ومدياتها البحرية وفق المعطيات التي تعتمدها."

وفي ما يتعلق باحتساب المنطقة الإقليمية أو الجرف القاري، بين الخبير، أنه "يمكن للدول الأخرى تقديم اعتراض، وليس من الضروري أن يكون الاعتراض بصورة فورية، إذ إن بعض الدول قد تتقدم به بعد مدة تصل إلى 12 شهراً، نظراً لوجود مسائل حسابية وفنية تحتاج إلى دراسة دقيقة."

وبين منذر، أن "تقديم الاعتراض أو عدمه لا يحسم مسألة رسم الحدود بشكل نهائي، لأن ترسيم الحدود يتم وفق قواعد القانون الدولي، او عبر التفاوض المباشر للتوصل إلى اتفاق بشأن التحديد والرسم، ولا سيما في حال وجود تداخل في المديات البحرية مع دول أخرى مثل الجمهورية الإسلامية أو السعودية، ما يستوجب الدخول في مفاوضات متعددة الأطراف".

وأضاف منذر، أنه "في ما يتعلق بتحديد الحدود المائية العراقية، فإن السواحل العراقية تُعد محدودة نسبياً، إذ لا يتجاوز المدى الساحلي نحو 42 ميلاً بحرياً، أي ما يقارب 60 كيلومتراً، مقارنة ببعض الدول المجاورة التي تمتلك سواحل أوسع، الأمر الذي يفرض أهمية اللجوء إلى الاعتراف بالحقوق المائية للعراق، فضلاً عن الاستناد إلى الوقائع التاريخية، ولا سيما أن إدارة خور عبد الله وتنظيم الملاحة فيه كانت للعراق طوال أكثر من قرن، وهو ما يؤكد تاريخياً أحقيته وما يترتب عليها من حقوق في الجانب البحري."