اقتصاد ريعي وأسواق هشة.. تقلب سعر صرف الدولار يكشف تحديات الإصلاح النقدي في العراق

أمس, 15:00
1 768

شهدت سوق الصرف الموازي في العراق خلال الأيام الماضية، ارتفاعًا ملحوظًا في سعر صرف الدولار مقابل الدينار، لامس حدود 149,000 دينار لكل 100 دولار، وهو الأمر الذي أثر بشكل «طفيف» في مختلف أسعار السلع والمواد، قبل ان يعاود الانخفاض اليوم الاربعاء.

وعلى الرغم من الارتفاع في أسعار «الصرف الموازي» غير أن مختصين يؤكدون أن تلك الطفرات «وقتية» ولا تشكل مخاوف اقتصادية إطلاقا، لاسيما مع الإجراءات الاحترازية التي اتخذتها «السلطة النقدية» في امتصاص حدة الارتفاع


قناة سنترال على منصّة التلغرام.. آخر التحديثات والأخبار أولًا بأوّل


وكان المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، قد وصف في وقت سابق، تذبذب سعر الصرف بأنه «وقتي» ولا يعكس اختلالاً هيكلياً، لاسيما أنه انفصل عمليًا عن مستوى الدخول والاستهلاك.
 

عوامل بنيوية

الخبير الاقتصادي والمالي، نبيل العبادي،  يرى أن هذه الظاهرة ليست وليدة الصدفة أو نتاج عامل منفرد، بل هي حصيلة تفاعل معقد بين جملة من العوامل البنيوية والظرفية، الداخلية والخارجية، التي يمكن تحليلها إلى ثلاثة أسباب هي: عوامل هيكلية ومؤسسية داخلية، وسلوكيات السوق والمضاربة، والقيود والمؤثرات الخارجية.

وأوضح العبادي، أنه بالنسبة للعوامل الهيكلية والمؤسسية الداخلية، فإن الاقتصاد العراقي يعد اقتصادًا أحادي النمط، إذ تشكل إيرادات النفط المصدر الرئيسي للعملة الصعبة، مشيرًا إلى أن هذا الإطار يجعل ميزان المدفوعات وسعر الصرف معرضين بشدة لتقلبات أسواق النفط العالمية

العبادي أضاف أنه على الصعيد النقدي، تشهد السياسات الهادفة إلى إزالة الدولرة، وهي ضرورية من منظور سيادة القرار النقدي على المدى الطويل، تطبيقًا متسارعًا، بيد أن هذا التطبيق ترافق مع تشديد الرقابة على قنوات بيع الدولار ومنح الحوالات، مما أدى إلى تضييق المعروض في القنوات شبه النظامية، ودفع جزءا كبيرا من الطلب نحو السوق الموازية. كما أن ضعف القطاع الإنتاجي الخاص، سواء كان صناعيًا أو زراعيًا، يعني غياب مصدر محلي بديل لتوليد العملات الأجنبية بعيدًا عن الريع النفطي، مما يحرم الاقتصاد من رافعة مهمة لاستقرار سعر الصرف، إضافة إلى ذلك، أدت التطورات الأخيرة في النظام الجمركي، وخصوصاً اشتراط الوثائق المسبقة بموجب نظام «أسيكودا»، للحصول على الدولار بالسعر الرسمي، إلى عرقلة التدفقات التجارية المعتادة، بيّن أن هذا التعقيد والتأخير دفع عدداً من التجار، ولاسيما من متوسطي الحجم، إلى اللجوء للسوق الموازية لتمويل عملياتهم المستعجلة، مما رفع الطلب الفعلي هناك.

وتابع العبادي، أنه بالنسبة لسلوكيات السوق والمضاربة، فإنه في غياب قنوات استثمارية نظامية جاذبة وتحوطية فعالة، يميل جزء من السيولة المحلية إلى المضاربة على سعر الصرف كوسيلة لتحقيق مكاسب سريعة، موضحًا أنه غالباً ما تتغذى هذه المضاربة على الضوضاء المعلوماتية والشائعات، مما يؤدي إلى تضخيم حدة التقلبات قصيرة الأجل. كما لوحظت ممارسات غير رسمية داخل السوق الموازية نفسها، مثل التمييز السعري بين الفئات المختلفة من العملة الأميركية نفسها، مما يشير إلى وجود تشوهات في آلية عمل هذه السوق.

وبالنسبة للعامل الثالث «القيود والمؤثرات الخارجية»، قال الخبير المالي والاقتصادي: إن تحويلات العملة عبر القنوات المصرفية العراقية الرسمية تواجه صعوبات متزايدة، خاصة عند تعلق الأمر بدول مجاورة تخضع لنظم عقوبات دولية، منوهًا بأن هذا الواقع يدفع حاجة القطاع التجاري إلى التحويل عبر هذه المسارات إلى السوق الموازية، مما يخلق طلباً هيكلياً إضافياً، علاوة على ذلك، لا يمكن إغفال تأثير المناخ الجيوسياسي الإقليمي والدولي العام، إذ تؤدي أي توترات إلى ارتفاع في الطلب على العملات الصعبة كملاذ آمن، وهو ما ينعكس على أسواق الدول الهشة.

واستطرد العبادي، أنه في مواجهة هذا التحليل، تطرح الجهات الرسمية رواية مختلفة، تركز على الطبيعة العابرة لهذا الارتفاع، إذ يصفه مسؤولون حكوميون بأنه «طارئ ومؤقت»، ونتيجة لشائعات يمكن احتواؤها، مؤكدين في الوقت ذاته استقرار السعر الرسمي عند 1320 ديناراً للدولار كمرساة أساسية، كما يُعتقد أن الإجراءات الإصلاحية في الجمارك والقطاع المصرفي ستبدأ بإظهار نتائجها الإيجابية قريباً.

وأكد أنه من وجهة نظر مهنية، فإن النظرة الرسمية، رغم ما تحمله من طمأنينة ضرورية، تتعامل مع الأعراض الظاهرة أكثر من معالجتها للعلل الجذرية، مشددًا على أن العوامل الظرفية مثل الإجراءات الجديدة والشائعات تلعب دورًا محفزًا، إلا أن جذور الأزمة تكمن في ذلك المزيج الخطير من الهيكل الاقتصادي الريعي الأحادي، والضعف المزمن في الإنتاج المحلي، وتعقيدات المحيط الجيوسياسي.

وأفاد بأنه من دون معالجة هذه الثلاثية، سيبقى الاقتصاد العراقي وسعر صرف عملته عرضة لدورات متكررة من عدم الاستقرار، إذ تظهر الأزمات بشكل متقطع ثم تختفي مؤقتًا، قبل أن تعود بصور أخرى، موضحا أن حل معضلة سعر الصرف لا يكمن في التدخل التقني المحدود لموازنة السوق الموازية أو توجيه اللوم للمضاربين فقط، برغم أهمية هذه الإجراءات قصيرة الأجل.

وأكد أن الحل الحقيقي والمستدام يستدعي سياسة اقتصادية شاملة، تنحو نحو تنويع مصادر الدخل القومي، وتحفيز القطاع الخاص الإنتاجي عبر بيئة استثمارية وتشريعية داعمة، وإعادة هيكلة القطاع المالي ليكون أكثر كفاءة وشمولية، لافتًا إلى أن هذه الإصلاحات البنيوية هي وحدها الكفيلة بخلق اقتصاد أقل اعتماداً على الخارج وأكثر مقاومة للصدمات، مما ينعكس بدوره على قوة واستقرار العملة الوطنية على المدى المتوسط والطويل.
 

ثبات السعر الرسمي

بدوره، أكد مسؤول إعلام البنك  المركزي العراقي، حيدر غازي، أن أي تغيير لم يطرأ على سعر صرف الدولار أمام الدينار، وهو ثابت على 1320 دينارا لكل دولار، مبينًا أن ما يتم تداوله من سعر الصرف ما هو إلا طلب السوق غير الرسمية للدولار خارج منظومة المصارف المجازة بالعمل في التحويلات الخارجية عبر مصارف مراسلة .

وعزا غازي، السبب الرئيس للارتفاع في السوق الموازية إلى الرسم الجمركي بسبب الطلب خارج منظومة الجهاز المصرفي، لافتًا إلى أن تطبيق الرسم الجمركي المسبق لأغراض التحويل، قد يكون ضغط بشكل كبير على طالبي الدولار النقدي، وكان وراء ارتفاع الطلب على الدولار إزاء الدينار في الأسواق المحلية.

وأوضح أن التجار مطلوب منهم جلب التصريحة الجمركية (البيان الجمركي) من نظام (أسيكودا) قبل أن يجري التحويل المصرفي لهم، مضيفًا أنه في مناسبات عديدة صرح البنك المركزي العراقي أن طرق الحصول على الدولار من خلال: أولا التحويلات الخارجية عبر المصارف بطرق نظامية وموثقة لدى جميع الأطراف، والثانية من خلال دولار المسافرين بعد إيداع مبلغ بالدينار العراقي لدى الشركات فئات A و B ويتم الاستلام عبر منافذ داخل المطارات العراقية، إذ حدد البنك حصة المسافر شهريا بـ3000$ .
 

العرض والطلب 

إلى ذلك، أفاد عدد من التجار بأن ارتفاع سعر الدولار أدى إلى تذبذب في سعر البضائع، خصوصاً المستوردة، وبينما أشاروا إلى أن بعض الأنشطة التجارية شهدت تباطؤًا مؤقتًا بانتظار استقرار سعر الصرف، أوضح أصحاب محال صيرفة أن الطلب على الدولار شهد زيادة خلال الأيام الماضية، مقابل تراجع نسبي في المعروض، ما أسهم في ارتفاع السعر في السوق الموازية.

ويعتمد اقتصاد العراق بشكل رئيس على الإيرادات النفطية، التي تمثل النسبة الأكبر من موارد الموازنة العامة، كما أن السوق المحلية تعتمد إلى حد كبير على الاستيراد لتأمين السلع الأساسية، ما يجعل أسعار الصرف عاملًا مؤثرًا في كلفة الاستيراد وأسعار المواد في السوق.

 

إجراءات حكومية 

وعلى صعيد ذي صلة، يرى الخبير الاقتصادي، مصطفى فرج، أن تقلبات سعر الدولار تنعكس بصورة مباشرة على السوق المحلية، بحكم طبيعة الاقتصاد العراقي، مشددًا على أهمية اتخاذ إجراءات تنظيمية عند ارتفاع سعر الصرف، من بينها ضبط السوق وتنظيم حركة التجارة، إلى جانب ضمان انتظام توزيع السلة الغذائية لتقليل تأثير التغيرات السعرية في المواد الأساسية.

وأضاف فرج، أن أسعار النفط والعوامل الجيوسياسية في المنطقة تلعب دوراً بالتأثير في الأداء الاقتصادي، لافتاً إلى أن الموازنة العامة بُنيت على تقديرات سعرية محددة للنفط، ومع أي تغير في هذه الأسعار تظهر تحديات في إدارة الإنفاق.

ورجّح أن يكون الارتفاع الأخير في سعر الدولار مؤقتا، مرتبطاً بتطبيق آليات جديدة في تنظيم التجارة مع بداية العام.