الذكاء الاصطناعي يطرق أبواب العراق.. فرصة تاريخية أم قنبلة بطالة وسيادة رقمية؟

اليوم, 13:40
521

بين وعود التحول الرقمي ومخاوف البطالة واختراق السيادة، يقف العراق عند مفترق طرق حاسم مع تصاعد الدعوات لإنشاء مجلس وطني للذكاء الاصطناعي، خطوة قد تنقل البلاد إلى اقتصاد المستقبل… أو تكشف هشاشة البنى الرقمية إذا لم تُدار بحوكمة صارمة ورؤية شاملة.


وطرحت أوساط اقتصادية وخبراء في الشأن الرقمي مقترحاً بإنشاء مجلس وطني للذكاء الاصطناعي يرتبط بأعلى سلطة تنفيذية في البلاد، ليكون الجهة المسؤولة عن رسم السياسات العامة، وتنظيم استخدام التقنيات الذكية، وإدارة المخاطر المرتبطة بها، بما يعزز السيادة الرقمية للعراق ويدفعه نحو تحول رقمي مؤسّس ومستدام.

قناة سنترال على منصّة التلغرام.. آخر التحديثات والأخبار أولًا بأوّل


ويتضمن المقترح تشريع قانون لحماية البيانات الشخصية، إلى جانب إنشاء سحابة حكومية وطنية تُسهم في توطين البيانات السيادية داخل البلاد، وهو ما يُعد خطوة أساسية لتهيئة بيئة جاذبة للاستثمارات الرقمية، وتقليل الاعتماد على البنى التحتية الخارجية، ووضع أسس متينة لاقتصاد رقمي وطني.


إلا أن خبراء اقتصاديين يرون أن تطبيق هذه الرؤية يواجه تحديات بنيوية، أبرزها الطبيعة الريعية للاقتصاد العراقي، وتأخر البنى التحتية الرقمية، وضعف منظومات الأمن السيبراني، فضلاً عن اتساع الفجوة الرقمية بين المحافظات والفئات الاجتماعية، ما يتطلب معالجة شاملة ومتدرجة قبل الانتقال إلى مراحل متقدمة من التحول الرقمي.



مخاطر البطالة وفجوة المهارات


المستشار المالي للحكومة، مظهر محمد صالح، حذّر من أن أبرز المخاطر الاقتصادية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تتمثل في احتمالات ارتفاع معدلات البطالة، ولا سيما في الوظائف الإدارية والخدمية، نتيجة توسع الأتمتة واعتماد الأنظمة الذكية. وأشار إلى أن هذه التحولات قد تؤدي إلى اتساع فجوة المهارات بين الكوادر الوطنية ومتطلبات الاقتصاد الرقمي، ما لم تُرافقها برامج تأهيل وتدريب فعّالة.


وأضاف صالح أن اعتماد المؤسسات العراقية بشكل واسع على شركات أجنبية في مجال التقنيات الذكية قد يحدّ من نقل المعرفة، ويعمّق التبعية التقنية، الأمر الذي يضعف قدرة الاقتصاد المحلي على توطين هذه التكنولوجيا والاستفادة القصوى منها. كما نبه إلى المخاطر السيبرانية المحتملة التي قد تستهدف قطاعات حيوية مثل النفط والطاقة والمصارف والبيانات الوطنية الحساسة، بما قد يؤدي إلى تعطّل الخدمات أو تسرب المعلومات، ويؤثر سلباً في الاستقرار الاقتصادي.



السيادة الرقمية وأطر الحوكمة والأمن السيبراني


وأكد صالح أن مواجهة هذه التحديات تتطلب تبنّي سياسة وطنية متدرجة لتنظيم استخدام التقنيات المتقدمة، على رأسها الذكاء الاصطناعي، من خلال إنشاء مجلس وطني مختص يتولى تنسيق جهود المؤسسات الحكومية، ووضع سياسات واضحة لإدارة المخاطر الرقمية، وتعزيز السيادة الرقمية.


وشدد على أهمية تشريع قانون لحماية البيانات الشخصية، وإنشاء سحابة وطنية لتوطين البيانات السيادية، مع تطبيق معايير صارمة للأمن السيبراني في جميع القطاعات الحيوية. كما دعا إلى اعتماد برامج حقيقية لتوطين التكنولوجيا ونقل المعرفة، عبر تضمين شروط التدريب وبناء القدرات الوطنية في العقود الدولية، ودعم المراكز البحثية والجامعات المتخصصة، وتشجيع الشركات المحلية العاملة في مجال التقنيات الذكية.


وفي هذا السياق، أكد على ضرورة إعادة تأهيل العاملين المهددين بالأتمتة، وإطلاق برامج تدريبية للموظفين الحكوميين، وإدخال مناهج الذكاء الاصطناعي بشكل تدريجي في النظام التعليمي، بما يضمن بناء قدرات بشرية مستدامة تتوافق مع متطلبات الاقتصاد الرقمي.



تحديات اجتماعية وفرصة استراتيجية للاقتصاد الوطني


من جهتها، أوضحت المختصة الاقتصادية الدكتورة إكرام عبد العزيز أن الذكاء الاصطناعي يحمل مخاطر اجتماعية واقتصادية متعددة، من بينها تهديد فرص العمل، وتضخيم المعلومات المضللة، وظهور تحيزات اجتماعية وعنصرية في القرارات الخوارزمية، إضافة إلى انتهاك الخصوصية عبر أنماط المراقبة الجماعية. وأشارت إلى أن بعض الشركات بدأت بالفعل بتقليص العمالة البشرية نتيجة الاعتماد المتزايد على الأنظمة الذكية، محذّرة من تأثيرات قصيرة ومتوسطة المدى على سوق العمل.


كما لفتت عبد العزيز إلى أن قدرة الذكاء الاصطناعي على إنتاج محتوى مزيف يصعب تمييزه تمثل تحدياً إضافياً، يستدعي أُطراً تشريعية ورقابية واضحة للحد من مخاطره وحماية الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.


ويرى مختصون أن الذكاء الاصطناعي، رغم مخاطره، يمثل فرصة اقتصادية وإستراتيجية مهمة للعراق، شريطة توافر حوكمة فعالة، وأمن سيبراني رصين، وتوطين حقيقي للتكنولوجيا، وبناء مستدام للمهارات البشرية. ويؤكد الخبراء أن الموازنة بين التقدم التقني وحماية الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي يجب أن تكون هدفاً أساسياً، بما ينسجم مع برنامج الحكومة ورؤية العراق 2050، لتعظيم العوائد الاقتصادية من الثورة الرقمية، وتأهيل العراق ليكون لاعباً فاعلاً في الاقتصاد الرقمي الإقليمي.