هل يشكّل حقل عكّاز بداية ابتعاد العراق عن محور إيران-الصين-روسيا؟

اليوم, 12:58
20

يمثّل بدء عمليات الحفر الكاملة في حقل عكّاز الغازي في غرب العراق تطوراً مهماً في مسار قطاع الطاقة العراقي، غير أن دلالاته تتجاوز البعد الفني والاقتصادي لتلامس اعتبارات جيوسياسية أوسع. فاختيار شركة أميركية كبرى لقيادة المشروع، إلى جانب موقع الحقل وحجمه ودوره المتوقع في منظومة الكهرباء الوطنية، يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول ما إذا كان العراق يتجه نحو إعادة تموضع استراتيجي في علاقاته الدولية، أم أن الأمر لا يعدو كونه خطوة تكتيكية محدودة ضمن سياسة خارجية طالما اتسمت بالتوازن والحذر.

اُكتشف حقل عكّاز عام 1992، وتُقدَّر احتياطياته المؤكدة بنحو 5.6 تريليونات قدم مكعبة من الغاز الطبيعي. وتندرج عمليات الحفر الحالية ضمن مرحلة إنتاج مبكرة سريعة تستهدف بلوغ طاقة إنتاجية أولية تبلغ 100 مليون قدم مكعبة قياسية يومياً، على أن تُرفع لاحقاً إلى نحو 400 مليون قدم مكعبة يومياً في المراحل اللاحقة من التطوير.


قناة سنترال على منصّة التلغرام.. آخر التحديثات والأخبار أولًا بأوّل


ويُفترض أن يُدمج إنتاج الحقل مباشرة في منظومة الكهرباء العراقية، من خلال تزويد محطات توليد رئيسية في محافظة الأنبار، ومن ثم رفد الشبكة الوطنية، بما يخفف من حدة العجز المزمن في الطاقة الكهربائية.

ظل اعتماد العراق على الغاز والكهرباء المستوردين من إيران، واللذين يلبّيان ما يقارب 40% من احتياجاته من الطاقة، أحد أبرز التحديات أمام تحقيق أمن طاقي مستدام. كما شكّل هذا الاعتماد عائقاً دائماً في العلاقات العراقية–الأميركية، إذ ترى واشنطن أنه أسهم في إبقاء بغداد ضمن دائرة النفوذ الإيراني، سواء عبر التعاون الاقتصادي أو من خلال تسهيل التفاف طهران على العقوبات الدولية المفروضة عليها.

تتفاقم هذه الإشكالية بسبب الطبيعة الجيولوجية للعديد من الحقول النفطية المشتركة بين العراق وإيران، والتي تجعل من الصعب التمييز بين نفط البلدين. وقد أتاح ذلك لطهران، لسنوات طويلة، إعادة تصنيف نفطها على أنه عراقي وتصديره إلى الأسواق العالمية.

وشملت هذه الممارسات تغيير وثائق الشحن، وتعطيل أنظمة تتبع السفن، واللجوء إلى عمليات نقل بحري غير مباشر، وهي أساليب أقرّ بها مسؤولون إيرانيون علناً في أكثر من مناسبة، وعدّوها جزءاً من استراتيجية منهجية للالتفاف على العقوبات.

يكتسب حقل عكّاز أهمية استثنائية من موقعه الجغرافي قرب الحدود السورية، حيث يقع على أحد المسارات البرية الحيوية التي استُخدمت لنقل النفط والإمدادات المختلفة من إيران باتجاه البحر المتوسط.

كما شكّل الحقل الضلع الغربي لمثلث استراتيجي يمتد من شرق العراق عند الحدود الإيرانية، مروراً بجنوب البلاد، وصولاً إلى محافظة الأنبار، وهي منطقة لطالما عانت من هشاشة أمنية استغلتها أطراف إقليمية متعددة لتحقيق أهدافها.

في هذا السياق، برز اهتمام كل من الصين وروسيا بحقل عكّاز وبالمناطق المحيطة به. فقد سعت بكين، من خلال اتفاقيات استراتيجية شاملة مع بغداد، إلى تأمين موطئ قدم طويل الأمد في قطاع الطاقة العراقي، مترافقاً مع إنشاء بنى تحتية مساندة.

أما موسكو، فكانت تنظر إلى العراق باعتباره جزءاً من نطاق نفوذ إقليمي أوسع يمتد عبر ما يُعرف بالهلال الشيعي، ويعزز حضورها في شرق المتوسط، ولا سيما عبر سوريا ولبنان.

يكتسب اختيار شركة أميركية لقيادة تطوير حقل عكّاز دلالة سياسية لا يمكن فصلها عن سياق الصراع على النفوذ في العراق. فالحقل يُعد من أكثر المشاريع حساسية من الناحية الجيوسياسية، واختياره كنقطة انطلاق لشراكة مع الولايات المتحدة يعكس، على الأقل، استعداد بغداد لاختبار مسار طاقي مختلف عن ذلك الذي ساد خلال العقدين الماضيين.

لا يمكن اعتبار بدء عمليات الحفر في حقل عكّاز دليلاً قاطعاً على إعادة اصطفاف استراتيجي كامل للعراق باتجاه الولايات المتحدة، إلا أنه يشكل مؤشراً مهماً على احتمال حدوث تحوّل تدريجي في توازن علاقاته الدولية. ويبقى مستقبل هذا المسار مرتبطاً بقدرة العراق على تطوير الحقل وفق الخطط المعلنة، وتعميم التجربة على مشاريع أخرى، ومواجهة الضغوط الإقليمية والدولية المقابلة.

وعليه، فإن حقل عكّاز لا يمثّل مجرد مشروع طاقة، بل حالة اختبار حقيقية لخيارات العراق الاستراتيجية في مرحلة إقليمية بالغة التعقيد.

المصدر: oilprice