السياسة الدولية بزمن كسر القواعد.. ترامب ينقلب على العولمة الكلاسيكية ويعيد العالم إلى الفوضى
عراقجي: الحصانة التي أعطيت لـ "إسرائيل" أضرت بالنظام القضائي الدولي
الفياض: الحشد الشعبي ضمانة أمن وعزّة العراق والجوهرة الثمينة المكلّفون بحمايتها وتعزيزها
بعد واقعة مباراة بنفيكا.. الاتحاد الاوروبي يغرم ريال مدريد ويحذر أربيلوا
المرسومي يحذر من كارثة اقتصادية ويطالب بحوار عاجل مع الغرف التجارية قبل فوات الأوان
قدّم الكاتب والدبلوماسي الروسي ألكسندر ياكوفينكو، عبر وكالة "ريا نوفوستي"، قراءة شاملة للتحولات الجذرية التي أحدثها دونالد ترامب في بنية النظام الدولي.
ويرى الكاتب أن ما نشهده اليوم ليس مجرد تعديل في السياسات الأميركية، بل انقلاب فعلي على العولمة بصيغتها الكلاسيكية، وانتقال من عالم القواعد والمؤسسات إلى عالم القوة الصلبة والسيادة المُثبتة بالفعل.
ويوضح أن “الترامبية” باتت إطارًا ناظمًا للسياسة العالمية، تفرض منطقها على الخصوم والحلفاء معًا، وتدفع الجميع إلى إعادة تعريف مفاهيم السيادة، والطاقة، والدبلوماسية، وحتى معنى البقاء في النظام الدولي الجديد.
يرى الكاتب أن الولايات المتحدة، في عهد دونالد ترامب، أنهت العولمة بالشكل الذي عرفه العالم طوال الأربعين عامًا الماضية. عولمةٌ لم تدمّر الاقتصادات الوطنية الأخرى فحسب، بل ضربت في العمق الاقتصاد الأميركي ذاته، وألحقت أضرارًا جسيمة بالمجتمع الأميركي وبنيته الداخلية.
فالعالم اليوم يشهد تفككًا متسارعًا، حيث تتقلص سلاسل الإنتاج العالمية وتُعاد صياغتها ضمن أطر مناطق كبرى (ماكرو-إقليمية)، بينما تستعيد الصناعة الوطنية والطلب الداخلي أهميتهما كركيزتين أساسيتين للقوة.
لقد كشفت النخب الغربية، ولا سيما خلال إدارة جو بايدن، الوجه التسلطي العميق لليبرالية. ففي الولايات المتحدة جرى، بحسب تعبيره، تفكيك الهوية التاريخية للأميركيين، وتحويل الدولة والمجتمع إلى مجرد أدوات بيد نخب ليبرالية–عولمية متحررة من أي انتماء وطني. ويشير إلى أن أزمة الهوية كانت العامل الحاسم في الانقسام الداخلي الأميركي، وهي التي مهّدت الطريق لما يسميه الكاتب “الثورة المحافظة” لدونالد ترامب.
ومن هنا، أصبح ترامب الشخصية الأكثر تأثيرًا وصناعةً للأحداث على مستوى العالم. فهو يتصرف بصرامة في الداخل والخارج على حد سواء، ومصير كثير من التطورات العالمية بات مرتبطًا بقدرته على فرض أجندته على الجبهتين.
غير أن الوقت ليس في صالحه بالكامل، إذ يواجه ضغط الانتخابات النصفية للكونغرس في تشرين الثاني/نوفمبر، ما يدفعه إلى تسريع وتيرة الأحداث وربما اللجوء إلى أنماط حكم رئاسية مشددة، وهي، كما يرى الكاتب، كامنة أصلًا في بنية النظام الأميركي.
إن خطوات ترامب، من فرض الرسوم الجمركية، إلى اختطاف مادورو، إلى إعلان حالة الطوارئ بذريعة “التهديد الكوبي”، تؤكد أنه يفرض إيقاعه الخاص على العالم، وعلى الجميع الاستعداد لتداعيات ذلك.
ويرى الكاتب أن ترامب ليس مجرد ظاهرة سياسية عابرة، بل شخصية استثنائية صنعت بنفسها هالة خاصة. فهو يعرف ما يريد، ويتصرف وفق خبرته التجارية وحدسه، يرفع سقف الرهانات، وقد يتراجع تكتيكيًا، لكنه لا يتخلى عن أهدافه الاستراتيجية، سواء تعلق الأمر بغرينلاند، أو احتواء الصين، أو مكافحة الهجرة غير الشرعية.
ويضيف أن ترامب يسحب الولايات المتحدة من قيود النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية.
فالقانون الدولي، وفق رؤيته، ليس أداة ملزمة. والولايات المتحدة، تاريخيًا، لا تقبل بأي سلطة فوق وطنية، وهو ما يفسر توترها المزمن مع الأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وحتى حلف الناتو. ومن هذا المنطلق برزت فكرة “مجلس السلام”.
ويلفت الكاتب إلى أن ترامب، شاء العالم أم أبى، يحدّد نبرة السياسة العالمية، ويفرض على كثير من الدول اللعب وفق قواعده، بما يحمله ذلك من مخاطر وفرص في آن واحد.
إن ترامب يقود أميركا نحو منطق القوة العظمى الصريحة، مستخدمًا كل الأدوات المتاحة: القوة العسكرية، العقوبات، والسيطرة على السوق الأميركية. وفي تصوره، لا يُعترف بالسيادة إلا إذا جرى إثباتها بالقوة، ومن هنا ينبع شعاره “السلام عبر القوة”. وهو، وفق هذا المنطق، مستعد للاعتراف بسيادة روسيا والصين إذا نجحتا في فرضها عمليًا.
ومن هنا، لا خيار أمام موسكو وبكين سوى إظهار سيادتهما، ليس فقط عبر الاكتفاء الذاتي في الموارد، بل عبر السيادة التكنولوجية أيضًا. أما ما كان يُعرف سابقًا بـ“القوة الناعمة”، فيعتبره الكاتب قد خرج نهائيًا من معادلة التأثير، إذ لم يعد ذا قيمة في عالم ترامب، حيث لا يبقى إلا الإكراه الصلب بكل أشكاله.
ويضيف الكاتب أن الصين أدركت هذه الحقيقة مبكرًا واستخدمت أوراق قوتها، بينما يتمثل الرد الروسي في القدرة على الصمود أمام العقوبات، وفي الإرادة السياسية لفرض المصالح بالقوة، كما في أوكرانيا، وبالتوازي عبر أطر التعاون المتعدد مثل بريكس ومنظمة شنغهاي. غير أن ترامب، ينفر من أي تكتلات، ويفضّل التعامل الثنائي المباشر مع كل دولة، ما يؤدي إلى تفكيك الغرب ذاته ككيان سياسي موحّد.
إن الأراضي الوطنية والموارد عادت لتكتسب قيمة مركزية. فترامب يؤمن بالسيطرة المباشرة، حتى لو تطلب الأمر توسيعًا جغرافيًا–سياسيًا للولايات المتحدة ليشمل كامل أميركا الشمالية، أو حتى نصف الكرة الغربي بأسره. وهو، كما يشدد الكاتب، لا يثق بأي ضمانات، بما في ذلك تلك المرتبطة بتسوية النزاع في أوكرانيا، ما يعني أن الدبلوماسية فقدت هامشها التقليدي ولم تعد مجدية ما لم تكن مسنودة بالقوة.
وفي هذا السياق، يلفت الكاتب إلى أن الطاقة هي عملة المستقبل، خاصة في ظل صعود الذكاء الاصطناعي، واقتصاد البيانات الضخمة، ومنصّات الاقتصاد الرقمي، وكلها قطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. وترامب، كما يرى الكاتب، يدرك ذلك جيدًا، ويطمح إلى تحويل الولايات المتحدة إلى المزوّد الرئيسي للطاقة عالميًا، حتى لروسيا والصين.
ويفسر الكاتب التحركات الأميركية في فنزويلا وإيران ضمن هذا الإطار، مذكرًا بأن ترامب رفع منذ ولايته الأولى شعار تحويل أميركا إلى قوة طاقة عالمية، وهو ما بدا آنذاك غريبًا، لكنه اليوم يتحول إلى رافعة استراتيجية أساسية، مع استحواذ الولايات المتحدة على نحو 25% من سوق الغاز العالمي.
ويحذر الكاتب من أن الهدف الأميركي لا يقتصر على تأمين الموارد، بل يشمل أيضًا حرمان المنافسين الكبار، روسيا والصين، منها، سواء عبر السيطرة المباشرة أو تعطيل وصولهم إليها. وفي المقابل، يرى أن مهمة موسكو وبكين تكمن في تعزيز الشراكات العابرة للقارات، والتنوع، والتعددية، والتعاون الشبكي، في مواجهة الصلابة العمودية للهيمنة الأميركية.
وفي خاتمته، يؤكد الكاتب أن ترامب يدرك أن الولايات المتحدة غير قادرة على حل أزماتها المتراكمة، بما فيها الدين العام، ضمن النظام العالمي القديم. ولذلك يسعى إلى القفز فوق الأزمة عبر تحول عالمي شامل، رقمي واقتصادي، يعيد ضبط اللعبة من الصفر، ويُخضع إرادة الآخرين، مع احتفاظ واشنطن بالتفوق المادي والموارد.
ويخلص الكاتب إلى أن مستقبل أميركا ليس سؤال اليوم، لكن المؤكد أن العودة إلى سياسات الحزب الديمقراطي ستقود البلاد إلى أزمة أعمق، وربما إلى رد فعل أشد من الترامبية. فـالترامبية باقية، لكنها تتطلب إجراءات راديكالية، وحدودها في الداخل سترسمها القوى الأميركية نفسها، أما في الخارج، فستُرسم عبر مقاومة بقية العالم، بمن فيهم الحلفاء.