في ظلّ حالة الانسداد السياسي وتأخر تشكيل الحكومة الجديدة، تتصاعد مخاوف المواطنين بشأن مصير الرواتب والالتزامات المالية الأساسية للدولة، ولا سيما رواتب الموظفين والمتقاعدين ومستفيدي شبكة الحماية الاجتماعية.
وفي هذا السياق، أكّد عدد من أعضاء مجلس النواب ومستشارون ماليون في الحكومة أن هذه المستحقات مؤمّنة ولا تتأثر بتأخر إقرار الموازنة العامة، مستندين إلى آليات قانونية تضمن استمرار الإنفاق التشغيلي وفق مبدأ (1/12).
وسنستعرض في هذا التقرير الموقفين النيابي والحكومي من ملف الموازنة، ويوضح آليات التمويل المؤقت، إلى جانب التداعيات الحقيقية لتأخر تشريع الموازنة، خصوصاً على المشاريع الاستثمارية والتنموية.
الرواتب مؤمّنة
وقال عضو مجلس النوّاب صفاء الجابري إنَّ الرواتب والمخصَّصات الاجتماعيَّة تندرج ضمن الموازنة التشغيليَّة، وهي لا تتأثر بعدم إقرار الموازنة، إذ يتمّ الصرف على وفق تعليمات (1 / 12) في حال تأخّر تشريعها، ما يضمن استمرار دفع رواتب الموظفين والمتقاعدين وعدم توقف إعانات الحماية الاجتماعيَّة.
وأوضح الجابري أنَّ المتضرِّر الحقيقيَّ من عدم إقرار الموازنة هو ملفُّ المشاريع التنمويَّة والموازنة الاستثماريَّة، مبيِّناً أنَّ إدارة الدولة تمتلك الصلاحيات الكافية لإدارة الموارد الماليَّة على وفق التعليمات النافذة.
وأضاف أنَّ الإيرادات المتحققة من بيع النفط الخام والواردات الأخرى تُغطّي نفقات الرواتب والتقاعد والرعاية الاجتماعيَّة.
ودعا الجابري الحكومة المقبلة إلى إعداد موازنةٍ واقعيَّةٍ تُراعي التحدّيات الاقتصاديَّة الراهنة، وتحدُّ من هدر المال العامّ، مع تعزيز إجراءات مكافحة الفساد والصرف غير المسوَّغ، متوقعاً أنْ تتجه الحكومة الجديدة إلى إعداد موازنةٍ لمدَّة عامٍ واحدٍ لتقييم المسار الاقتصاديِّ للبلاد.
قانون الموازنة
من جانبه، أكّد عضو مجلس النوّاب محمّد جاسم الخفاجي أنَّ قانون الموازنة يُعَدُّ من أهمِّ القوانين التي يجب أنْ تُقدِّمها الحكومة إلى مجلس النوّاب لمناقشتها وتشريعها، مشيراً إلى أنَّ عدم تشكيل الحكومة يحول دون تقديم مشروع موازنةٍ متكامل.
وأوضح أنَّ الحكومة هي الجهة المخوَّلة بتحديد أسعار النفط وأبواب الصرف والالتزامات الماليَّة ضمن مشروع الموازنة، سواءٌ الحاليَّة أو المستقبليَّة.
التمويل المؤقت
بدوره أكد المستشار المالي لرئيس الوزراء، مظهر محمد صالح، اليوم الخميس، أن "السياسة المالية تمارس مهامها منذ الشهر الثاني من العام الجاري 2026 وفقاً لأحكام قانون الإدارة المالية الاتحادي رقم (6) لسنة 2019 المعدَّل، وذلك بالإنفاق بنسبة (1/12) من المصروفات العامة الجارية الفعلية لعام 2025"، مبيناً أن "المالية العامة تستفيد من أحكام الفقرة (29) من القانون المذكور، التي تتيح للسلطة المالية اعتماد آليات التمويل المؤقت وإدارة السيولة في حال تعذّر الصرف بموجب الموازنة الاعتيادية المُشرَّعة قانوناً".
وأضاف أن "الأحكام المذكورة أعلاه تؤكد مبدأ التمويل المؤقت عند تأخر إقرار قانون الموازنة أو حدوث نقص مؤقت في السيولة اللازمة للإنفاق، بما يسمح لوزارة المالية باتخاذ تدابير مالية انتقالية تضمن استمرار صرف النفقات ذات الأولوية من دون تأخير، وفي مقدمتها الرواتب والأجور والمعاشات التقاعدية وتخصيصات الرعاية الاجتماعية، والتي تُقدر شهرياً بنحو ثمانية تريليونات دينار".
وعن إمكانية تشريع قانون الموازنة في حال تعثّر انتخاب رئيس الجمهورية، أوضح صالح، أن "هذه حالة نادرة الحدوث، لكنها قد تفرض نفسها لضرورات المصلحة الوطنية العليا، لا سيما أن مجلس النواب هو الجهة الدستورية المختصة بتشريع قانون الموازنة، وفي هذا السياق، يمكن النظر في إمكانية إصدار قانون موازنة عام 2026 بعد الوقوف على رأي المحكمة الاتحادية العليا بوصفها محكمة دستورية متخصصة في حسم إشكاليات الدورات النيابية، ولا سيما في حالات غياب رئيس الجمهورية غيابًا تاماً".
وأشار إلى، أن "رئيس الجمهورية، عبد اللطيف جمال رشيد، ورئيس مجلس الوزراء، محمد شياع السوداني، لا يزالان في موقع المسؤولية القانونية حتى اللحظة، الأمر الذي يتيح، من حيث المبدأ، طلب إعداد مسودة قانون الموازنة العامة الاتحادية وتقديمها إلى مجلس النواب للشروع بالعملية التشريعية، إذا ما رغبت السلطة التشريعية المنتخبة في ذلك".