أوروبا و"الوباء النووي".. هل يستعد الغرب لمواجهة روسيا وأمريكا معاً؟

اليوم, 18:55
77

في مقال نشرته وكالة "ريا ونوفستي" الروسية، يرصد الكاتب الروسي فلاديمير كورنيلوف تصاعد ما يصفه بـ«الوباء النووي» في أوروبا. 

ويرى الكاتب في مقاله أنّ القارة العجوز تشهد حالة من الهوس الجماعي بفكرة الردع النووي المستقل، بعدما كانت هذه الأطروحات قبل عام واحد فقط تُقابل بالسخرية أو الشك. 


قناة سنترال على منصّة التلغرام.. آخر التحديثات والأخبار أولًا بأوّل


ويشير إلى أنّ تحوّل المزاج الأوروبي لم يكن تدريجياً، بل جاء صادماً، خصوصاً بعد ما يُسمّى بـ«أزمة غرينلاند»، التي أعادت إلى السطح أسئلة الثقة بواشنطن وجدوى المظلّة الأطلسية.

 

من مظلّة ماكرون إلى نقاش القنبلة الأوروبية

يذكّر الكاتب بأنّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون Emmanuel Macron طرح قبل عام فكرة «المظلّة النووية الفرنسية لأوروبا»، لكن الفكرة آنذاك لم تُؤخذ بجدية واسعة. 

أما اليوم، فيلاحظ الكاتب أنّ مؤتمر ميونيخ للأمن تحوّل إلى ساحة نقاش مفتوح حول تسليح أوروبي نووي مستقل، وكأنّ «الجميع انفلت من عقاله»، على حد تعبيره.

ويلفت إلى أنّ المستشار الألماني فريدريش ميرتس أعلن دخول برلين في محادثات مبكرة مع باريس بشأن «الردع النووي الأوروبي». 

وفي بولندا، كسر الرئيس كارول نافروتسكي محرّماً تقليدياً بحديثه عن احتمال انخراط بلاده في برنامج تسليح نووي، بينما بدأ خبراء عسكريون بولنديون احتساب كلفة وجدول زمني قد يمتد بين خمس وعشر سنوات للوصول إلى أول اختبار لرؤوس نووية محلية.

 

البلطيق وإسكندنافيا… الحماسة الأشد

يشير الكاتب إلى أنّ دول البلطيق لم تتأخر في الانضمام إلى موجة النقاش. فقد أعلن وزير خارجية إستونيا مارغوس تساهكنا عدم وجود قيود على نشر صواريخ نووية للحلفاء على أراضي بلاده. كما دعت كايا كالاس، التي تتولى منصب مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، إلى فتح نقاش أوروبي حول الردع النووي المستقل.

غير أنّ الحماسة الأكبر – بحسب الكاتب – تأتي من الدول الإسكندنافية. ففي النرويج، كتب الخبير العسكري يوهانس كيبسغارد أنّ الردع النووي الإسكندنافي يجب أن يكون «ركناً إضافياً» يعزز العلاقة عبر الأطلسي، لا بديلاً عنها. 

أما في الدنمارك، فقد تحوّلت فكرة إنهاء حظر نووي استمر سبعين عاماً إلى بند انتخابي تطرحه أحزاب معارضة، بذريعة أنّ «الولايات المتحدة لم تعد موضع ثقة.

 

من ردع روسيا إلى مواجهة أمريكا؟

يرى الكاتب أنّ اللافت في هذه النقاشات ليس فقط استهداف روسيا، بل انتقال بعض الأصوات إلى وضع الولايات المتحدة نفسها في خانة «التهديد». 

ويستشهد بمقال في صحيفة Jyllands-Posten دعا إلى إرسال قوات أوروبية إلى أوكرانيا، مطمئناً القراء بأنّ موسكو لن تجرؤ على استخدام سلاحها النووي لأنّ فرنسا وبريطانيا تمتلكان سلاحاً مماثلاً.

ويصف الكاتب هذا الطرح بأنّه تناقض صارخ: فهؤلاء – بحسب رأيه – يفترضون أنّ قوة نووية عظمى قد تقبل الهزيمة وقصف أراضيها دون استخدام ترسانتها، بينما يعتقدون في الوقت نفسه أنّ دولاً صغيرة مثل إستونيا أو الدنمارك ستكون مستعدة لاستخدام السلاح النووي فور امتلاكه.


العدوى تعبر الأطلسي.. كندا تدخل النقاش

ويتابع الكاتب أنّ «الحمّى النووية» لم تتوقف عند أوروبا. ففي كندا، دعا الجنرال المتقاعد واين آير إلى إبقاء خيار امتلاك سلاح نووي مطروحاً للنقاش. 

ورغم رفض الحكومة الفوري للفكرة، إلا أنّ الجدل – كما يقول الكاتب – بات مفتوحاً على نطاق واسع.

 

أصوات عقلانية.. لكنها خافتة

يلفت الكاتب إلى أنّ بعض الأصوات القليلة تحاول كبح هذا الاندفاع، مثل الاقتصادي الإيطالي غابرييلي غوتسي الذي تساءل عمّا إذا كانت تجربة إنشاء عملة موحدة بلا دولة (في إشارة إلى اليورو) لم تكن كافية، فهل تسعى أوروبا الآن إلى إنشاء جيش بلا دولة أيضاً؟

لكن هذه الآراء – وفق الكاتب – تضيع وسط سيل من المقالات التي تتحدث عن «حرب نووية وشيكة»، وتدعو إلى مواجهة مباشرة مع روسيا تحت مظلة ردع أوروبي مشترك.

يخلص فلاديمير كورنيلوف إلى أنّ أوروبا تعيش حالة ذهنية خطيرة، عنوانها تضخم خطاب الردع النووي وتآكل الثقة بالولايات المتحدة في آن واحد. 

ويرى أنّ المفارقة تكمن في أنّ روسيا والولايات المتحدة – اللتين تُصوَّران كتهديدين رئيسيين – قد تجدان نفسيهما مضطرتين إلى التعاون لاحتواء هذا «الوباء النووي» الأوروبي.

وبحسب الكاتب، فإنّ مفاهيم الردع التي تأسست بعد الحرب الباردة تتعرض اليوم لإعادة صياغة متسرعة ومشحونة بالعواطف، ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من عدم اليقين الاستراتيجي، قد تكون أكثر خطورة من كل ما شهدته القارة منذ عقود.