مفاوضات تحت ظل القوة.. هل تنجح إيران والولايات المتحدة في إبرام صفقة جديدة؟

اليوم, 15:30
194

في تحليل سياسي معمّق للكاتب ألبرت كالاشيان نشرته صحيفة «أزفيستا» الروسية، يرى الكاتب أن الجولة الجديدة من المفاوضات الأميركية–الإيرانية في جنيف لا تعكس مجرد مسار تفاوضي تقليدي، بل تمثل لحظة اختبار حقيقية بين خيارين: التسوية أو التصعيد.

ويوضح الكاتب في مقاله أن الحوار الدبلوماسي يسير بالتوازي مع استعدادات عسكرية أميركية واضحة في الخليج، في حين تردّ طهران بمناورات بحرية في مضيق هرمز، بما يشي بأن المفاوضات تُدار تحت ظل القوة. 


قناة سنترال على منصّة التلغرام.. آخر التحديثات والأخبار أولًا بأوّل


ويشير الكاتب إلى أن الولايات المتحدة تسعى لاستنفاد المسار الدبلوماسي قبل أي تحرك عسكري محتمل، بينما تراهن إيران على الضمانات ورفع العقوبات كشرط جوهري لأي اتفاق. ويلفت الكاتب إلى أن الكرة الآن في الملعب الأميركي، خاصة بعد التجارب السابقة التي انتهت بانسحاب واشنطن من الاتفاق النووي.

 

جنيف: مبادئ أولية تحت ضغط التصعيد

اختُتمت في جنيف الجولة الثانية من المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، والهدف المعلن هو البحث عن حلول للنزاع المزمن حول البرنامج النووي الإيراني. 

وتمثّل أبرز نتائج الجولة في الاتفاق على مجموعة مبادئ أساسية ستوجّه صياغة النص المحتمل للاتفاق.

لكن، كما يرى الكاتب، فإن الحوار يجري في أجواء مشحونة؛ إذ عززت واشنطن وجودها العسكري في الخليج، ناشرةً قطعاً بحرية كبيرة، بينما تجري إيران تدريبات بحرية واسعة في مضيق هرمز، ما يرفع منسوب المخاطر ويزيد احتمالات الانزلاق نحو مواجهة.

وتُبدي طهران استعداداً لفتح قطاعاتها الاقتصادية أمام الشركات الأميركية، لكنها تشترط بالمقابل تجميد العقوبات ورفض إدراج برنامجها الصاروخي ضمن المفاوضات.

 

ماذا تريد إيران من الولايات المتحدة؟

أُجريت المفاوضات بوساطة سلطنة عُمان، حيث انعقدت الجولة الأولى في مسقط في 6 فبراير شباط، وكانت ذات طابع استكشافي دون تحقيق اختراق ملموس.

مثّل الجانب الأميركي في جنيف كل من المبعوث الخاص للرئيس الأميركي ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، فيما ترأس الوفد الإيراني وزير الخارجية عباس عراقجي.

أكد عراقجي في تصريح متلفز أن الطرفين توصلا إلى اتفاق حول المبادئ الأساسية التي ستُبنى عليها مسودة الاتفاق، مشيراً إلى تقدم مقارنة بالجولة السابقة، مع استمرار العمل لتحديد موعد الجولة المقبلة.

ويرى الكاتب أن إيران تتمسك بحقها في مواصلة تخصيب اليورانيوم، بينما تطالب واشنطن بوقفه. كما ترفض طهران توسيع جدول الأعمال ليشمل برنامجها الصاروخي أو دعمها لحلفائها الإقليميين، معتبرةً أن أي اتفاق يجب أن يظل محصوراً في الملف النووي مقابل رفع فعلي للعقوبات.

 

شبح القوة: هل تذهب واشنطن إلى الخيار العسكري؟

يلفت الكاتب إلى أن التصريحات الأميركية لم تخلُ من التلويح بالقوة. فقد أكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب مشاركته “غير المباشرة” في مسار جنيف، مشدداً على أن البديل العسكري قائم إذا فشلت المفاوضات.

في المقابل، ووفقاً لمصادر نقلتها «رويترز»، تستعد القوات الأميركية لاحتمال تنفيذ عملية عسكرية طويلة الأمد ضد إيران. ويتزامن ذلك مع نشر ما وصفه ترامب بـ«أسطول بحري ضخم» في المنطقة.

وردّت طهران بإطلاق مناورات “التحكم الذكي في مضيق هرمز” بقيادة الحرس الثوري الإيراني، في رسالة واضحة بأن أي تصعيد سيواجه برد مماثل.

ويتابع الكاتب أن هذه المناورات ليست مجرد تدريبات عسكرية، بل رسائل استراتيجية موجهة إلى واشنطن وحلفائها، تؤكد قدرة إيران على التأثير في أحد أهم شرايين الطاقة العالمية.

 

عقدة الضمانات: درس الانسحاب الأميركي السابق

تستحضر طهران تجربة انسحاب واشنطن السابق من الاتفاق النووي، وهو ما يجعلها تركز، كما يشير الكاتب، على الحصول على ضمانات ملزمة تحول دون تكرار السيناريو ذاته.

ففي صيف العام الماضي، تزامنت محاولات استئناف الحوار مع ضربات إسرائيلية واسعة ضد أهداف داخل إيران، أعقبتها مشاركة قاذفات أميركية استراتيجية في استهداف منشآت نووية. وردّت طهران حينها بضرب قاعدة العديد الأميركية في قطر، ما أدى إلى تجميد مسار التخصيب مؤقتاً، مع بقاء الجدل قائماً حول الوضع الفعلي للبرنامج.

 

الصفقة المحتملة: الاقتصاد بوابة السياسة

يوضح الكاتب أن طهران تحاول تعزيز المسار الدبلوماسي بأدوات اقتصادية، مقدّمةً نفسها كوجهة استثمارية واعدة للشركات الأميركية، خاصة في قطاعات الطاقة والموارد الطبيعية والطيران المدني.

وأعلن نائب وزير الخارجية الإيراني للدبلوماسية الاقتصادية، حميد غنبري، أن الحوار يشمل قطاعات اقتصادية حساسة، وأن استدامة أي اتفاق تتطلب تحقيق مكاسب ملموسة للطرفين.

وتشير تقارير صحفية إسرائيلية إلى أن إيران عرضت مشاريع مشتركة في مجالات النفط والغاز والتعدين والطيران، مع خطة مفصلة لدخول الشركات الأميركية إلى قطاع الطاقة الإيراني، مقابل رفع العقوبات وتحرير الأصول المجمدة.

 

بين الدبلوماسية والمواجهة

في ختام تحليله، يرى الكاتب أن واشنطن تسعى إلى إثبات أنها استنفدت كل السبل الدبلوماسية قبل أي خيار عسكري، بما يمنحها شرعية دولية في حال التصعيد. لكنه يشير في الوقت ذاته إلى أن المفاوضين الأميركيين قد يرضون بتسوية جزئية تقتصر على البرنامج النووي، تاركين الملفات الأخرى لمرحلة لاحقة.

أما طهران، فيبدو – وفق رؤية الكاتب – أنها تراهن على كسب الوقت، وتثبيت معادلة جديدة تقوم على: لا تنازل نووياً بلا ضمانات حقيقية، ولا اتفاق بلا رفع فعلي للعقوبات.

وهكذا تبقى جنيف ساحة اختبار بين اختراق دبلوماسي قد يغيّر موازين الإقليم، أو مواجهة مفتوحة تعيد المنطقة إلى حافة الانفجار.