استعادة العقول.. العراق يفتح صفحة جديدة مع كفاءاته في الخارج

اليوم, 10:20
312

في وقت تتسارع فيه تحديات التنمية وتشتد فيه المنافسة على العقول والخبرات، تضع الحكومة العراقية ملف استقطاب الكفاءات في صدارة أولوياتها الاستراتيجية، بوصفه أحد أهم مفاتيح الإصلاح المؤسسي والنهوض بالقطاعات الحيوية. فبعد سنوات من هجرة العقول، يشهد هذا الملف تحوّلاً نوعياً من معالجات جزئية إلى رؤية وطنية متكاملة تستند إلى تشريعات وبرامج تنفيذية وأطر مؤسسية واضحة، تهدف إلى إعادة دمج الكفاءات العراقية في الداخل والخارج ضمن مشروع تنموي طويل الأمد. وبين عودة آلاف الخبرات، وإطلاق مبادرات رقمية وتنظيمية جديدة، تتبلور ملامح مرحلة مختلفة تسعى إلى تحويل الطاقات الوطنية المنتشرة حول العالم إلى قوة فاعلة في بناء الدولة وتعزيز أدائها.

وفي ظل الانتشار الكبير للكفاءات في الخارج، تشير تقديرات رسمية إلى أن الجاليات العراقية تُقدّر بـعدة ملايين نسمة، مع تركيز الكفاءات العلمية والمهنية في دول متقدمة مثل الولايات المتحدة، والمملكة المتحدة، وألمانيا، وفرنسا، وهولندا، والسويد، وكندا، وأستراليا، إضافة إلى دول الجوار الإقليمي. وتعدُّ هذه الأرقام مؤشراً على حجم الإمكانيات المتاحة إذا ما تم توظيفها بشكل منهجي ومنظم.


قناة سنترال على منصّة التلغرام.. آخر التحديثات والأخبار أولًا بأوّل


وكيل وزارة الخارجية لشؤون التخطيط السياسي السفير هشام العلوي قال إن عودة الكفاءات العراقية تمثل رافداً مهماً لدعم التنمية ونقل الخبرات المتقدمة إلى مؤسسات الدولة. 

وأوضح أن هذه الخبرات أسهمت بشكل ملموس في تحسين الأداء المؤسسي، وتطوير السياسات العامة، ورفع مستويات التعليم والتدريب، إلى جانب إدخال ممارسات حديثة في مجالات الإدارة والتكنولوجيا والبحث العلمي، ولا سيما في قطاعات حيوية مثل التعليم العالي والصحة والتخطيط والنفط.

وأضاف العلوي أن الوزارة تسعى لتعزيز أثر عودة الكفاءات من خلال تسهيل التواصل المباشر مع الجاليات العراقية في الخارج، مشيراً إلى أن البعثات الدبلوماسية العراقية تلعب دوراً محورياً في هذا الملف، عبر تكليف موظفين متخصصين في السفارات والقنصليات، وتنظيم لقاءات وندوات ومؤتمرات، إضافة إلى المشاركة في فعاليات علمية ومهنية تتيح التعرف على خبرات العراقيين في الخارج، وربطها بالمشاريع الوطنية الاستراتيجية.

وبيّن العلوي أن وزارة الخارجية تنسق بشكل مستمر مع الأمانة العامة لمجلس الوزراء وعدد من الوزارات القطاعية، مثل وزارات التعليم العالي والبحث العلمي والصحة والنفط، لتسهيل إجراءات عودة الكفاءات. 

وأكد أن الإجراءات تشمل تبسيط الإجراءات الإدارية، وتقديم التسهيلات القنصلية، وربط الخبرات مباشرة باحتياجات مؤسسات الدولة، بما يضمن استفادة مستدامة من مهاراتهم وقدراتهم. 

وأشار العلوي إلى أن هناك توجهاً لتغيير اسم وزارة الخارجية إلى "وزارة الخارجية وشؤون المغتربين"، لتعزيز مكانة الوزارة في رعاية شؤون الجاليات العراقية، وضمان التواصل المستمر مع الكفاءات الوطنية في الخارج، بما يسهم في تحويل العائدين إلى شركاء فاعلين في عملية التنمية.

بدوره، قال وكيل وزارة الهجرة والمهاجرين كريم النوري، إن الحكومة نجحت في إعادة ما يقارب أربعة آلاف كفاءة عراقية خلال الفترة الماضية، في مؤشر على نجاح السياسات الحكومية في جذب العقول المهاجرة. 

أوضح النوري أن هذا النجاح جاء نتيجة إعداد دراسة شاملة بعنوان "استقطاب والمحافظة على الكفاءات العراقية في الداخل والخارج"، والتي أُعدّت بموجب الأمر الديواني رقم (65 لسنة 2024)، وتم اعتمادها من قبل الأمانة العامة لمجلس الوزراء وتعميمها على الوزارات والهيئات المعنية. 

وأضاف أن الدراسة تهدف إلى استقطاب الكفاءات الفاعلة باعتبارها عنصراً حاسماً في نجاح المؤسسات وتحقيق أهدافها الاستراتيجية، مشيراً إلى أن الحكومة تعمل على إعداد قانون رعاية الكفاءات العراقية، الذي يوفر إطاراً قانونياً متكاملاً لحماية الكفاءات العلمية والمهنية والفنية، والحدّ من هجرتها، وتشجيع العودة أو التعاون عن بُعد.

وأشار النوري إلى أن القانون المزمع إعداده سيتيح أيضاً حوافز للكوادر العائدة، ويضع ضوابط لحفظ حقوقهم في العمل والإبداع، ويعمل على تعزيز بيئة عمل جاذبة تمكنهم من المشاركة بفاعلية في تطوير مؤسسات الدولة.

وأوضح النوري أن وزارة الهجرة والمهاجرين أطلقت مشروع "النافذة الواحدة للكفاءات العراقية"، بموجب الأمر الديواني رقم (5 لسنة 2026)، كحل رقمي متكامل يجمع كل الخدمات والإجراءات التي يحتاجها الكفاءات في الداخل والخارج، لتسهيل معاملاتهم، وتقليل الروتين، وتسريع إنجاز المشاريع، وربط العائدين مباشرة بالجهات المستفيدة وفق احتياجاتها الفعلية.

وأضاف أن المشروع يمثل خطوة استراتيجية نحو بناء بيئة مؤسسية ذكية، تتيح متابعة مسار كل كفاءة من لحظة عودتها أو تعاونها عن بعد، وصولاً إلى اندماجها الكامل في مؤسسات الدولة.

وأشار النوري إلى أن الحكومة وفّرت برامج متكاملة للإيواء المؤقت والتأهيل المجتمعي للعائدين، من خلال مراكز متخصصة مثل مركز الأمل للتأهيل المجتمعي، بما يضمن تهيئة البيئة المناسبة للعودة المستقرة. 

أضاف أن برامج الدعم والاندماج في سوق العمل، بالتعاون مع الوزارات والمنظمات الدولية، توفر فرص عمل ملائمة ومتكاملة، مما يعزز من قدرة الكفاءات على المشاركة بفعالية في مشاريع التنمية.