بين الموضة والمخاطر.. "البالات" تغزو أسواق بغداد ومخاوف من أمراض انتقالية

21:45, 26/02/2025
538

باتت ظاهرة استيراد الملابس المستعملة، أو ما يعرف محليًا بـ "البالات"، تثير قلقًا صحيًا واجتماعيًا في العراق، فبالرغم من التحذيرات المتكررة من مخاطرها الصحية، لا تزال هذه الملابس تجد طريقها إلى الأسواق بوتيرة متسارعة، مدعومة بوسائل التواصل الاجتماعي التي حوّلها تجار "البالات" إلى منصات دعائية جذابة.


تحمل هذه الملابس المستوردة من مناشئ مختلفة فيروسات وبكتيريا قد تسبب أمراضًا جلدية معدية، مثل المكورات العنقودية الذهبية والفطريات، التي تظل عالقة في الأنسجة حتى بعد غسلها. ومع ذلك، يبدو أن الإقبال الشعبي على شرائها لا يزال قويًا، مدفوعًا برخص أسعارها وتنوع "موديلاتها" التي تفوق أحيانًا ما يعرض في الأسواق الكبيرة.

قناة سنترال على منصّة التلغرام.. آخر التحديثات والأخبار أولًا بأوّل



يقول عصام محمد علي، أحد الشباب الذين يعتمدون على "البالات" لتلبية احتياجاتهم من الملابس، إن "الأسعار مناسبة وبمتناول الطبقات الفقيرة والناس البسطاء". مضيفا أن "البالات" توفر تشكيلة واسعة من "الموديلات" والأشكال والعلامات التجارية، بل إن بعض القطع تكون جديدة ولم تُستخدم من قبل، لكنها "مخزنية" أو فات "موديلها" أو تحتوي على عيوب بسيطة.


وعلى الرغم من المزايا الاقتصادية التي توفرها "البالات"، إلا أن المواطن علي يشير إلى أن "تقاليد الحياء المجتمعي" تمنع الكثيرين من الإقبال عليها بشكل علني، ويوضح: "لو لم يكن هناك حياء مجتمعي، لرأينا معظم الناس يشترون احتياجاتهم من البالة، من أحذية وملابس وإكسسوارات". 


الباحث الميداني في شؤون البيئة صميم سلام أشار إلى إن للملابس القديمة أو البالة تأثيراً في البيئة من خلال زيادة النفايات التي تستهلك الموارد الطبيعية مثل الماء والطاقة، ويمكن أيضاً أن يؤدي غسلها إلى التلوث على الرغم من معالجتها كيميائياً أو بواسطة المعقمات، أو الروائح الكريهة التي تلوث البيئة، لافتاً إلى تأثيراتها الصحية جراء انتقال الطفيليات مثل القمل والبراغيث والتي تسبب الحكة والتهيج الجلدي والحساسية وكذلك انتقال البكتيريا والفطريات لكون الملابس القديمة تحتوي عليها، حيث تسبب عدوى جلدية والتهابات والعديد من الأمراض الانتقالية. 


ويرى تحسين كريم أن جذور انتشار "البالات" تعود إلى فترة الحصار الاقتصادي في التسعينيات، حيث فرضت الظروف الصعبة على الطبقات الفقيرة الاعتماد على هذه الملابس كبديل عن الملابس الجاهزة الباهظة الثمن، ومع مرور الوقت، تحولت "البالات" إلى خيار واسع الانتشار، خاصة مع انخفاض جودة الملابس الجديدة وارتفاع أسعارها.


من جهته، يرى المواطن حسين عباس أن "البالات" توفر فرصة للحصول على قطع ملابس نادرة، خاصة بعد إزالة العيوب البسيطة وتعقيمها. ويشير إلى أن بعض المحال التجارية تقوم بشراء القطع المتميزة من "البالات"، ثم تنظيفها وبيعها بأسعار مرتفعة على أنها جديدة.


ورغم هذه الآراء الإيجابية، يقف المواطن علي إبراهيم في الجهة المعارضة، حيث يرفض شراء الملابس المستعملة، خاصة تلك القادمة من دول آسيوية فقيرة.


ويوضح أن مخاوفه الصحية هي الدافع الرئيس لموقفه، حيث يخشى أن تكون هذه الملابس حاضنة لفيروسات أو أمراض، أو أن يكون الشخص الذي استخدمها سابقًا مصابًا بمرض معين.


يقول أحد بائعي "البالات" في سوق الباب الشرقي إن "الملابس المستعملة يبحث عنها أغلب أصحاب الذوق الرفيع، كونها ذات ماركات عالمية وفي حالة جيدة". ويضيف أن هذه الملابس تُباع بأسعار زهيدة تناسب ذوي الدخل المحدود، خاصة من لديهم أطفال ويحتاجون إلى توفير المال.


كما يشير البائع إلى أن الاعتقاد السائد بأن كل سلع "البالة" مستعملة ليس دقيقًا، موضحًا أن بعضها عبارة عن تصفيات مخازن تكون جديدة لكنها "فات موديلها" أو لم تعد متوافقة مع الموضة الحالية.


يؤكد البائع أن "البالات" تحتوي على ما يسمى "اللنكات" (قطع ذات جودة عالية) تتمتع بأقمشة وفصالات جيدة، لا تقل عن تلك الموجودة في الملابس الجديدة. ويضيف: "هذه الملابس تسد عوز المحتاج وتمكنه من ارتداء الملابس الأنيقة بأسعار معقولة".


بمقابل المخاوف الصحية الشائعة، يقدم الطبيب حميد كاظم رأيًا مغايرًا، مؤكدًا أن "ملابس البالة لا تشكل تهديدًا لصحة مستخدميها". ويوضح أن الجراثيم والفيروسات تموت بعد بضع ساعات من خلال عمليات التنظيف والتعقيم، ما يقلل من احتمالية انتقال الأمراض.