التهجير العشائري في العراق: بين سلطة العشائر وتحديات القانون
توقعات سيناريو ما بعد استهداف ترامب لإيران.. هل سيتضرر العراق أمنياً واقتصادياً؟
رداً على تهديدات ترامب.. ايران: صواريخنا جاهزة لضرب قاعدة"دييغو غارسيا" بالمحيط الهندي
ملف الكهرباء في العراق.. واشنطن تستخدم سلاح الطاقة لابتزاز الحكومة والشعب
الاحتلال يستأنف حرب الإبادة في غزة.. نزوح كثيف وتوقف المخابز يفاقم المجاعة
أثار الإعلان الدستوري الذي أعلن عنه أول أمس الخميس ردود فعل متباينة في الساحة السورية، بين من اعتبر أن الإعلان الدستوري السوري بصيغته المؤقتة التي تغطي فترة خمس سنوات ضرورة مرحلية بغية بناء مؤسسات الدولة، وتمكين السلطة المركزية من إنجاز المهام المنوطة بها في هذه الفترة، لجهة ضبط الوضع الأمني، وتحسين الخدمات، وتحقيق العدالة الانتقالية، وبين من رأى فيه تكريساً للحكم الفردي، عبر وضع الكثير من السلطات بيد رئيس الجمهورية.
ووفق اللجنة المكلفة بصياغة الإعلان الدستوري السوري، فان مجلس الشعب (البرلمان) سيتولى العملية التشريعية كاملة، فيما السلطة التنفيذية يتولاها رئيس الجمهورية، وحدد الإعلان مدة المرحلة الانتقالية بخمس سنوات، ومنح رئيس الجمهورية حق إعلان حالة الطوارئ بعد موافقة مجلس الأمن القومي.
وفي معرض شرحه بعض بنود هذا الإعلان، قال عضو لجنة صياغة الإعلان الدستوري السوري عبد الحميد العواك إنه لن تكون هناك أي سلطة لمجلس الشعب على رئاسة الجمهورية في المرحلة الانتقالية، ولا يسمح أن تقوم سلطة بعزل سلطة أخرى. وبموجب الإعلان، يحق للرئيس تعيين ثلث أعضاء مجلس الشعب، ويشكل لجنة عليا تشرف على تشكيل هيئات فرعية ناخبة، تقوم بانتخاب ثلثي أعضاء مجلس الشعب المتبقين.
وفي معرض تعليقه على هذا الإعلان، قال المحامي السوري أنور البني، الذي يتابع ملاحقة مرتكبي الانتهاكات في سورية، إنه يرحب بهذا الإعلان الدستوري السوري المؤقت، كما تتوجب تسميته، لتستقر وتنجح المرحلة الانتقالية. وأوضح أن ترحيبه يعود لعدة أسباب: أولها أنه نص على إنشاء هيئة للعدالة الانتقالية، واعتبر الاتفاقيات الدولية جزءاً من الإعلان، وحدد مدة الفترة الانتقالية، ولم يتركها مفتوحة، واعترف بضرورة وجود الأحزاب والجمعيات.
ورأى البني أن هذه مسائل مبشرة، لكن هناك بعض التحفظات، مثل تجاوز الإعلان الدستوري السوري دوره ليكون بمثابة دستور مصغر، حيث حدد مسبقاً مصادر التشريع، وسلطات الرئيس، وبذلك صادر إرادة السوريين والسوريات. كما أنه لم ينص على إشراك المجتمع المدني بتسمية أعضاء مجلس الشعب، ولم يتضمن أي نصوص حول تشكيل السلطة القضائية لتكون مستقلة تماماً، فضلاً عن تسمية الرئيس أعضاء المحكمة الدستورية العليا.
من جهته، قال المحامي والسياسي محمد صبرا، الذي شارك في وفود التفاوض الخاصة بالمعارضة السورية سابقاً، إن الإعلان الدستوري السوري يؤسس لإعادة بناء الدولة، حيث ستختار هيئات انتخابية ثلثي أعضاء مجلس الشعب. واعتبر صبرا، أن المرحلة الانتقالية قد تتطلب نوعاً من مركزة السلطات في يد الرئيس، لكن يجب أن يقابل ذلك بنصوص تحدد مسؤولية رئيس الدولة في حال خرج عن متطلبات منصبه، فالقاعدة تقول: "كلما زادت سلطات الشخص، زادت مسؤوليته عن أعماله".
ورأى صبرا أن الإعلان في العموم إيجابي، لكنه خلا من بعض الأمور التي كان يجب أن ينص عليها، كما شابه بعض الغموض في مواده، بينما جاءت مواد أخرى بصياغة غير منضبطة. وأضاف أن "الحكم على مواد الإعلان الدستوري السوري ليس من خلال كمالها القانوني أو الموضوعي، بل من خلال قدرتها على تأمين عملية الانتقال السياسي من مرحلة التوحش إلى المرحلة الديمقراطية".
ولاحظ صبرا أنه غاب عن الإعلان الدستوري السوري أي حديث عن "السيادة الشعبية"، وقال "هذه ليست مجرد عبارة جميلة، بل إنها تعبير عن المالك الحقيقي للسيادة في الدولة، وهذه المؤسسة، أي السيادة الشعبية، تتيح للمواطنين القدرة على فرض إرادتهم عبر الاستفتاء الشعبي وسواه، وغياب هذه المادة يدفع لكثير من التساؤلات"، ملاحظاً أن الإعلان الدستوري السوري لم يوضح من هي الجهة التي ستقر الدستور الدائم للبلاد، وهل سيكون ذلك باستفتاء شعبي أم الاكتفاء بتشكيل لجنة لإعداده من دون أن تكون لدى الشعب أي سلطة على الموافقة أو الاعتراض عليه.
كما لاحظ صبرا أيضاً أنه غاب عن الإعلان الدستوري أي تحديد أو ضبط لصلاحيات المحكمة الدستورية العليا، وعدم تطرق الإعلان إلى موضوع تنظيم الجنسية السورية، وتحديد الشروط الواجب توفرها في من يتولى رئاسة الجمهورية.
من جانبه، قال المحامي غزوان قرنفل، رئيس تجمع المحامين السوريين، إن الإعلان يتضمن الكثير من السلبيات، خصوصا وان الإعلان الدستوري السوري يمركز السلطة كلياً في يد رئيس الجمهورية ومن دون إمكانية لمساءلته، "فهو رئيس السلطة التنفيذية، وهو غير مسؤول عن أعمال هذه السلطة، فمجلس الشعب لا يملك مساءلته أو مساءلة وزرائه عن أعمالهم تحت زعم أن النظام الرئاسي يقتضي ذلك".
وأضاف أن "هذا الزعم غير صحيح، فالدول التي لديها نظام رئاسي، لديها أيضاً آليات لمراقبة عمل السلطة التنفيذية من قبل البرلمان". وانتقد أن "يتولى الإدارة التنفيذية شخص واحد، يعين الوزراء ويقيلهم، ويعين أعضاء السلك الدبلوماسي ويقيلهم، من دون حتى دور استشاري للبرلمان، بل هو من يعين أعضاء البرلمان أنفسهم، وأعضاء المحكمة الدستورية، فهل نحن أمام نظام رئاسي ام نظام فرعون؟".
وتوقف قرنفل عند مسألة دين الرئيس الذي حدده الإعلان بالإسلام. وقال إن "السوريين يحتاجون لسلطة تضمن المساواة في الحقوق بين الناس، وطالما أن هذا النص يناقض مبدأ المواطنة المتساوية، ويناقض نص تكافؤ الفرص بين المواطنين في تقلد الوظيفة العامة، فكان يمكن إلغاؤه".
واعتبر قرنفل أنه ليس منطقياً أيضاً أن يكون الفقه الإسلامي مصدراً رئيساً للتشريع، "لأن الفقه الذي مات أصحابه قبل ألف سنة يتضمن آراء فقهية وفتاوى متناقضة، وهي في النتيجة رأي بشري في قضايا دينية، وليست ديناً، فكان يمكن الاكتفاء بالقول إن قيم الشريعة إحدى مصادر التشريع، وإن كنتُ شخصياً أرى أن الإرادة الحرة للناس هي مصدر التشريع على ألا يحلل حراماً ولا يحرّم حلالاً". ولفت إلى أن واضعي الإعلان الدستوري سهى عنهم ذكر عبارة "أن الشعب هو مصدر السلطات".
وفور صدوره، انتقدت "الإدارة الذاتية" في شمال شرق سورية الإعلان الدستوري، معتبرة أنه يضم "نمطاً تقليدياً يتشابه مع المعايير والمقاييس المتبعة لدى حكومة البعث"، على حد وصفها، ورأت "الإدارة الذاتية"، في بيان، أن الإعلان الدستوري السوري "يتنافى مع حقيقة سورية وحالة التنوع الموجودة فيها"، ووصفته بأنه "تزوير فعلي لهوية سورية الوطنية والمجتمعية، حيث يخلو الإعلان من بصمة وروح أبناء سورية ومكوناتها المختلفة من أكراد وحتى عرب، وكذلك من السريان الآشوريين وغيرهم من المكونات الوطنية السورية".
كما علق المجلس الوطني الكردي في بيان، أمس الجمعة، على الإعلان الدستوري بقوله إنه "مخيب للآمال وبعيد عن التطلعات نحو بناء دولة ديمقراطية تعكس التنوع الحقيقي للمجتمع السوري" معتبراً انه أعد من قبل لجنة لا تمثل مختلف المكونات السياسية والقومية والدينية، "ما أفقده الشمولية والتوافق الوطني، وأدى إلى تكريس نهج الإقصاء". وقال إن الإعلان عزز نظام الحكم المركزي ومنح رئيس الجمهورية صلاحيات واسعة من دون ضمانات واضحة للفصل بين السلطات أو تحقيق التوازن المؤسسي، ما يثير مخاوف من إعادة إنتاج الاستبداد بصيغ جديدة، وفق تعبيره.