في ظل التحشيد العسكري في المنطقة.. واشنطن بوست تكشف موعد الضربة الأمريكية ـ الإسرائيلية لإيران
التهجير العشائري في العراق: بين سلطة العشائر وتحديات القانون
توقعات سيناريو ما بعد استهداف ترامب لإيران.. هل سيتضرر العراق أمنياً واقتصادياً؟
رداً على تهديدات ترامب.. ايران: صواريخنا جاهزة لضرب قاعدة"دييغو غارسيا" بالمحيط الهندي
ملف الكهرباء في العراق.. واشنطن تستخدم سلاح الطاقة لابتزاز الحكومة والشعب
تختلف طبيعة عمليات التهجير في العراق، فإلى جانب النزوح القسري الناجم عن أسباب سياسية وأمنية يأتي ذلك المجتمعي الذي تتسبّب فيه النزاعات العشائرية في المناطق. وفي حين أنّ التهجير بكلّ أنواعه يُبعد العراقيين عن ديارهم وأهلهم، فإنّ مئات من العراقيين النازحين قسراً عن مناطقهم لا يستطيعون العودة إليها إلا بقرارات عشائرية.
وراحت كفّة الطبيعة العشائرية ترجح في المجتمع العراقي بعدما اشتدّ نفوذ العشائر عقب الغزو الأميركي للبلاد في عام 2003، وصارت لها بالتالي سلطة تنافس، إن لم نقل تغلب أحياناً، سلطة القانون والأمن. ولا تهدأ الصراعات القبلية والنزاعات العشائرية في المحافظات العراقية، خصوصاً الجنوبية منها، على الرغم من التوصيات الأمنية والقرارات القضائية المشدّدة لمنع استخدام السلاح من جانب عدد من العشائر، الأمر الذي يتسبّب في العادة بمقتل وجرح عشرات من المدنيين بالإضافة إلى أضرار مادية في الممتلكات وتعطيل للحياة العامة. وقد شهدت مناطق نزاعات تكاد تقترب من حرب الشوارع في بعض الأحيان، ما استدعى تدخّل القوات المسلحة العراقية (الجيش) لفضّها.
وعلى أثر النزاعات وما ينتج عنها من قتلى وجرحى، تفرض أحياناً العشائر المتضرّرة، أو تلك التي تتمتّع بنفوذ وقوة مناطقيَّين، على أشخاص معيّنين من العشائر التي تتنازع معها، قرارات إبعاد من المنطقة لمدد محدّدة أو غير محددة، ما يعني "تهجير بسلطة العشائرية". وفي الأسبوع الماضي، تمكّنت قيادة شرطة محافظة البصرة (جنوب)، التي تُعَدّ من أكثر محافظات البلاد التي تشهد نزاعات عشائرية، من إعادة عائلات هُجّرت على مدى فترة طويلة من إحدى مناطق المحافظة بسبب العشائرية السائدة. ووفقاً لقائد شرطة شمال البصرة اللواء علي مشاري، فإنّ "قوة أمنية كبيرة من المديرية تمكّنت من إعادة العائلات التي مضى على تهجيرها أكثر من سنتَين ونصف السنة إلى منازلها في منطقة أم الشويج في قضاء المدينة". وأوضح أنّ "القوات الأمنية مستمرّة بفرض الأمن في مناطق شمال البصرة، وهي تتعامل مع الجميع وفقاً للقانون"، مشدّداً على أنّ "لا قوة تعلو عليه في سبيل حماية المواطنين وتسيير أمور حياتهم".
ولا تعيد القوات الأمنية تلك العائلات بالقوة، بل تعمل الجهات الأمنية على استرضاء العشائر التي أقصت تلك العائلات للقبول بإعادتها، إذا لا يمكن، بحسب العرف العشائري، أن تعود العائلات المبعدة بالقوة وتتحدّى العشائر التي أبعدتها. ويشرح الشيخ علي المياحي، من وجهاء البصرة، أنّ "إعادة العائلات المُديَّرة (المبعدة) عشائرياً أمر جيد وخطوة مهمّة في الإصلاح المجتمعي"، مبيناً لـ"العربي الجديد"، أنّ "عملية الإبعاد بالنسبة إلى المتورّطين في عمليات قتل أو اعتداء عشائريَّين ليست جديدة في المجتمع العراقي، وهي أمر جيد يضمن عدم استفزاز العائلات المعتدى عليها، عندما يكون المعتدي في خارج المنطقة ولا يراه أحد".
ويلفت المياحي إلى أنّ "الأمر السلبي في هذه السنينة العشائرية (القانون العشائري) أنّ الإبعاد لم يعد مبرّراً في بعض الأحيان، في السنوات الأخيرة، وقد يكون مرهوناً بالقوة العشائرية، أي أنّ العشيرة ذات القوة والشوكة تفرض قرار الإبعاد بحسب ما تريده على الأشخاص أو العائلات الأكثر ضعفاً"، موضحاً أنّ "هذا باب يدخله التعسّف والظلم أحياناً، وأنّ عائلات كثيرة وأشخاصاً مبعدين كثيرين يناشدون لإعادتهم إلى مناطقهم. ويتدخّل وجهاء العشائر والقيادات الأمنية والمجتمعية في الغالب لإعادة المبعدين". ويؤكد أنّ "أيّ إعادة لا تجري إلا بعد موافقة العشائر التي عمدت إلى الإبعاد (العائلات أو الأفراد)، وأنّ عشائر كثيرة تتنازل بقرار مكتوب وموقّع عن حقّها في إبعاد الجاني"، مشيراً إلى أنّ "عمليات كثيرة لإعادة عائلات نُفّذت في العام الجاري وذلك الذي سبقه، قبل انتهاء مدّة إبعادها المحدّدة، وذلك بعد التراضي مع العشيرة - الخصم".
ويبيّن مسؤولون أمنيون أنّ "التهجير العشائري" أقصى مئات العائلات في كثير من المحافظات العراقية، إلا أنّ معظم تلك العمليات أتت في المحافظات الجنوبية التي تسجّل أكبر عدد من النزاعات العشائرية. ويقول الرائد مهدي المسعودي، في وزارة الداخلية العراقية، إنّ وزارته "تسجّل مئات العائلات المهجّرة عشائرياً في عموم محافظات البلاد، وإنّ هذا الأمر من الملفات التي تجري متابعتها والسعي إلى إيجاد حلول لها". يضيف أنّ "وزارة الداخلية وقيادات الشرطة التابعة لها ترى وجوب توفّر الأمن قبل إعادة تلك العائلات إلى مناطقها، لكنّ هذا لا يعني أنّها لا تعمل على عمليات الإعادة".
ويشير المسعودي إلى أنّ "الملفّ يكون شائكاً أحياناً مع بعض المبعدين، وثمّة صعوبة لإعادتهم بسبب تشدّد العشائر المقابلة لهم. بالتالي فإنّ بقاءهم خارج مناطقهم يكون أفضل لهم، من الجهة الأمنية". ويتابع أنّ "اعتراف وزارة الداخلية بقرارات العشائر وتنفيذها لا يعني أنّ السلطة العليا في البلاد هي للعشائر على القانون، بل يعني أنّ ثمّة أهمية أحياناً لتلك القرارات وأنّ الوزارة ترى ضرورة إنفاذها حفاظاً على الأمن والمصلحة العامة".
في المقابل، يرى خبراء في القانون أنّ استمرار التعاطي مع القوانين العشائرية في العراق بالطريقة القائمة يمثّل إضعافاً لسلطة القانون في كلّ الأحوال. ويقول المتخصص في الشأن القانوني مجيد الهيازعي: "لا ننكر أنّ العشائرية تغلب في المجتمع العراقي، إلا أنّ ذلك لا يعني أنّ الأجهزة الأمنية، التي يُفترض أن تنفّذ القانون على الجميع، تقبل بقوانين العشائر، فهي تنفّذها وتتعامل معها بحذر". ويشدّد الهيازعي على أنّ "نظرة المشرّع القانوني أبعد مدى من نظرة العشائر، لذا يجب أن تكون الأحكام القانونية هي النافذة في العراق، فوق كلّ سلطة أخرى مهما كانت"، مشيراً إلى أنّ "إنفاذ قانون العشائر هو إضعاف لسلطة الدولة، لذا يجب وضع حدّ لتلك القوانين التي تتعارض مع سلطة القانون وسلطة الدولة".
وتُعَدّ النزاعات العشائرية في جنوب العراق ووسطه إحدى أبرز المشكلات الأمنية التي تعاني منها تلك المناطق، إذ تحصل بين حين وآخر مواجهات مسلحة تُوقع قتلى وجرحى بين عشائر مختلفة، لأسباب يتعلّق معظمها بمشكلات الأراضي الزراعية والحصص المائية، يُستخدم فيها أحياناً سلاح متوسط وقذائف هاون وقذائف صاروخية تُحمَل على الأكتاف.